المماليك: الدولة التي لم تطمئن أبداً

شيماء إبراهيم

شيماء إبراهيم

ربما لا أحب عصر المماليك لأنه كان الأقوى فقط، ولا لأنه هزم المغول أو بنى المساجد العظيمة، بل لأنني أراه عصرا شديد الإنسانية رغم قسوته، عصرا يكشف الإنسان كما هو، بلا تجميل، بلا ادعاء حضارة زائفة، وبلا محاولة لإخفاء الرغبات الكبرى التي تحرك العالم: السلطة، الخوف، المجد، البقاء.

في عصر المماليك، كان كل شيء واضحا بشكل صادم القوة تُرى بالعين، والهيبة تُفرض، والطموح لا يختبئ خلف الكلمات الناعمة. لم تكن السياسة خالية من المؤامرات أو المناورات، لكن دوافع القوة والطموح كانت أكثر ظهورا وأقل تغليفا بالشعارات مما نراه اليوم. كان الإنسان هناك يعيش بطبيعته الخام ، يحب بعنف، ويكره بعنف، ويحارب بعنف، ويؤمن بعنف أيضا.

وربما لهذا يبدو رجال المماليك في الذاكرة أكبر من أعمارهم الحقيقية. أغلبهم جاء إلى مصر أطفالا غرباء، مقطوعين من أوطان بعيدة، لا يملكون اسما كبيرا ولا عائلة تحميهم. لكنهم تعلموا مبكرا أن العالم لا يمنح مكانا للضعفاء. فكبروا بسرعة، وكأن الحياة دفعتهم دفعا نحو القسوة والانضباط واليقظة الدائمة.

كان المملوك يعرف أن أي لحظة ضعف قد تنهيه، لذلك عاش بعقلية المقاتل حتى وهو يجلس على العرش. وربما لهذا كانت شخصياتهم حادة إلى هذا الحد ، لأنهم لم يعرفوا الأمان الحقيقي يوما. حتى السلطان نفسه لم يكن مطمئنا، بل يعيش وسط دائرة من الحذر والشك والمؤامرات.

وربما لهذا أجدهم مثيرين للاهتمام أكثر من كثير من الحكام الذين ورثوا السلطة جاهزة.

ومن هنا تأتي فرادة عصرهم النفسية، فالمماليك لم يبنوا دولتهم من شعور بالاستحقاق الوراثي، بل من خوف مستمر من السقوط. ولذلك سعوا دائما إلى تخليد أنفسهم بالحجر والعمارة والإنجاز العسكري. كانوا يريدون أن يتركوا أثرا يقول للعالم: “لقد مررنا من هنا… ولم نكن عابرين.”

ولهذا تبدو عمارتهم مختلفة عن أي عمارة أخرى. فالمساجد المملوكية لا تعطي إحساس الهدوء فقط، بل إحساس الكبرياء أيضا. حتى المآذن تبدو كأنها ترفع رأسها في تحدٍّ للزمن. لم تكن الأبنية مجرد أماكن عبادة، بل كانت محاولة لمقاومة الفناء؛ محاولة من رجال عرفوا هشاشة الحياة، فأرادوا أن يهزموا الموت بالجمال.

وأظن أن من يسير ليلا في أحد شوارع القاهرة القديمة يمكنه أن يلمس هذا الإحساس بسهولة. تخيل باب زقاق ضيق في حي الجمالية، وضوء مصباح أصفر يرتجف على حجر قديم، وخطوات جندي مملوكي تمر سريعا بين الظلال، كأن المدينة كلها تتنفس حذرا. هذه ليست صورة تاريخية فقط… هذا إحساس دولة كانت دائما على حافة اليقظة.

والغريب أن هذا العصر القاسي كان شديد الحساسية تجاه المعنى الروحي. فكلما اقترب الإنسان من العنف، اقترب أكثر من فكرة الله. لذلك ازدهر التصوف في زمن المماليك بشكل لافت، ليس كترف ديني، بل كحاجة نفسية عميقة. كان الناس يحتاجون شيئا يطمئن أرواحهم وسط عالم يمكن أن ينقلب في ليلة واحدة.

حتى القاهرة نفسها في ذلك العصر كانت تشبه كائنا حيا متوترا لكنه نابض بالحياة. مدينة مزدحمة، صاخبة، مليئة بالتجار والعلماء والجنود والمتصوفة والغرباء. مدينة لا تمنحك الراحة، لكنها تمنحك الإحساس بأنك داخل قلب العالم فعلا .

كانت الحياة هناك لا تحتمل الضعف، وربما لهذا يبقى عصر المماليك قريبا من الروح المصرية حتى الآن. لأن المصري بطبيعته يفهم فكرة النجاة وسط الفوضى، ويفهم كيف يمكن للجمال أن يولد من قلب المعاناة. والمماليك فعلوا ذلك تحديدا ، صنعوا من القلق حضارة، ومن الخوف قوة، ومن الاضطراب فنا ما زال قائما بعد قرون.

وربما لهذا أيضا ينجذب الإنسان الحديث إلى عصر المماليك دون أن يشعر. ففي عالم معاصر يخفي الناس فيه حقيقتهم خلف الصور والشعارات، كان الإنسان هناك يعرف ما الذي يقاتل من أجله، ويعرف أن الحياة هشة، وأن المجد ليس إلا محاولة مؤقتة لمقاومة الزوال.

إن حب عصر المماليك ليس حنينا إلى السيوف أو الدماء، بل انجذاب إلى زمن كان الإنسان فيه حقيقيا إلى حد مؤلم. زمن لم تكن فيه الشخصيات باهتة، ولا المدن بلا روح، كان عصرا مليئا بالحياة بكل تناقضاتها، ولهذا بقى حيا حتى اليوم.