اللواء د. رضا فرحات يكتب .. 30 يونيو ملحمة شعب صنعت المستقبل

د. رضا فرحات

د. رضا فرحات

مثلت ثورة 30 يونيو واحدة من أهم المحطات الفارقة في التاريخ المصري الحديث، ليس فقط لأنها أنهت مرحلة شديدة الاضطراب شهدت تهديدًا حقيقيًا لمفهوم الدولة الوطنية، وإنما لأنها أعادت تأسيس مسار الدولة على أسس جديدة قوامها الحفاظ على الهوية الوطنية وترسيخ الاستقرار وإطلاق عملية تنموية شاملة امتدت آثارها إلى مختلف القطاعات والمجالات.

لقد خرج ملايين المصريين في الثلاثين من يونيو عام 2013 تعبيرًا عن إرادة شعبية واضحة رفضت محاولات اختطاف الدولة وتفكيك مؤسساتها، وأكدت تمسك المصريين بدولتهم الوطنية المدنية القائمة على المواطنة وسيادة القانون واحترام التنوع، وكانت هذه اللحظة التاريخية بمثابة تصحيح لمسار سياسي واجه تحديات جسيمة كادت أن تدفع البلاد نحو حالة من الانقسام وعدم الاستقرار، في ظل ظروف إقليمية بالغة التعقيد شهدت انهيار مؤسسات الدولة في عدد من دول المنطقة.

وعلى مدار السنوات الثلاث عشرة الماضية، أثبتت التجربة المصرية أن الحفاظ على الدولة الوطنية كان المدخل الأساسي لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية، فقد نجحت الدولة في استعادة هيبتها وتعزيز قدراتها المؤسسية، كما تمكنت من مواجهة موجات الإرهاب والتطرف التي استهدفت أمن المجتمع ووحدة أراضيه، ودفعت ثمنًا كبيرًا من دماء أبنائها حتى استعادت السيطرة الكاملة على مختلف المناطق التي كانت تمثل بؤرًا للتهديد الأمني.

ولم يقتصر أثر ثورة 30 يونيو على استعادة الاستقرار السياسي والأمني فقط، بل امتد ليشمل إطلاق مشروع وطني ضخم للتنمية والبناء، حيث شهدت مصر تنفيذ آلاف المشروعات القومية في مجالات البنية التحتية والنقل والطاقة والإسكان والتنمية العمرانية وقد أسهمت هذه المشروعات في تحسين جودة الحياة للمواطنين وتهيئة بيئة أكثر قدرة على جذب الاستثمارات وتحقيق النمو الاقتصادي، رغم التحديات الإقليمية والدولية غير المسبوقة التي واجهها العالم خلال السنوات الأخيرة.

كما نجحت الدولة في تبني رؤية تنموية شاملة تستهدف بناء الإنسان المصري إلى جانب بناء المشروعات، من خلال تطوير منظومة التعليم والرعاية الصحية وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية وإطلاق المبادرات الرئاسية التي استهدفت تحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين في مختلف المحافظات، وشكلت مبادرة "حياة كريمة" نموذجًا غير مسبوق للتنمية المتكاملة في الريف المصري، حيث امتدت جهود التطوير إلى القرى والمناطق الأكثر احتياجًا، بما يعكس فلسفة جديدة للتنمية تقوم على العدالة المكانية وتحقيق التوازن بين مختلف الأقاليم.

وعلى المستوى الخارجي، استعادت مصر مكانتها الإقليمية والدولية كلاعب رئيسي في محيطها العربي والإفريقي والدولي، وانتهجت سياسة خارجية متوازنة تقوم على حماية المصالح الوطنية وتعزيز علاقاتها مع مختلف القوى الدولية كما لعبت دورًا محوريًا في العديد من القضايا والأزمات الإقليمية، مستفيدة من حالة الاستقرار الداخلي وقوة مؤسساتها الوطنية وقدرتها على إدارة الملفات المعقدة بكفاءة ومسؤولية.

ولا يمكن الحديث عن مكتسبات 30 يونيو دون الإشارة إلى التحول الكبير الذي شهدته الدولة في مجال التخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات فقد أثبتت التجربة المصرية قدرة مؤسسات الدولة على التعامل مع تحديات استثنائية، سواء فيما يتعلق بمواجهة تداعيات جائحة كورونا أو الأزمات الاقتصادية العالمية أو التوترات الإقليمية المتصاعدة، مع الحفاظ على تماسك الدولة واستمرار عملية التنمية.

إن الدرس الأهم الذي قدمته ثورة 30 يونيو يتمثل في أن قوة الدولة الوطنية ليست مجرد شعار سياسي، بل هي الضمانة الأساسية لحماية المجتمعات وتحقيق الاستقرار وصون مقدرات الشعوب، الدول التي فقدت مؤسساتها أو تعرضت للتفكك دفعت أثمانًا باهظة من أمنها واستقرارها وتنميتها، بينما استطاعت مصر أن تحافظ على وحدتها الوطنية وأن تمضي في طريق البناء والتحديث رغم حجم التحديات التي واجهتها.

وبعد ثلاثة عشر عامًا من هذه الثورة، تبدو النتائج واضحة في قدرة الدولة المصرية على مواصلة مسيرة التنمية وتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، بما يؤكد أن 30 يونيو لم تكن مجرد حدث سياسي عابر، وإنما لحظة تأسيس جديدة للدولة الوطنية المصرية، ورسخت معادلة مهمة مفادها أن الاستقرار والتنمية وجهان لعملة واحدة، وأن الحفاظ على مؤسسات الدولة هو الأساس الذي تنطلق منه كل مشروعات التقدم والبناء.