لم نشرب بعد من "نهر الجنون"، ولا نعيش في "قرية العميان"، لكننا أحيانا نمنح الكثرة سلطة الحقيقة دون أن نشعر.. لا يحتاج الأمر أكثر من منشور على فيسبوك حتى تتحول معلومة غريبة إلى "حقيقة" يتداولها الآلاف، ومع تكرار النشر، يتحول الوهم إلى ما يشبه الحقيقة، ونعيش ما يعرف بـ"غرف الصدى".
قبل أيام، لفت انتباهي خبر يقول إن المصريين استهلكوا 67 ألف طن من البسلة ونوى البلح باعتبارها بديلا للقهوة.. كانت الصدمة كبيرة في البداية وتذكرت سخرية أصدقائى على المقهى من طعم البن.. وأعدت قراءة الرقم مرة أخرى لأتأكد أنني لم أُخطئ الفهم، ثم بدأت الأسئلة تتزاحم في رأسي: هل وصل الأمر إلى هذا الحد؟ وهل اختفت القهوة تقريبا من أكواب المصريين؟.
زاد اندهاشي عندما تذكرت أن مصر تستورد سنويا ما بين 70 و80 ألف طن من البن. وبحسبة سريعة، بدا الأمر وكأن الاستهلاك الحقيقي للقهوة لا يتجاوز 13 ألف طن، بينما الكميات الأكبر من البسلة ونوى البلح.. فضحكت وقلت علشان كده البسلة كانت غالية.. كان المشهد في ذهني أقرب إلى أزمة غذائية منه إلى خبر متداول على مواقع التواصل.
لكن بعد دقائق قليلة، بدأت أفعل ما كان يجب أن أفعله منذ البداية: البحث عن أصل الحكاية.. فتحت محركات البحث، وراجعت المواقع الإخبارية، وحاولت تتبع المصدر الأول للمعلومة، لكن المفاجأة أنني وجدت نفس الجملة تقريبا تتكرر في عشرات المنشورات، بنفس الصياغة ونفس الأرقام، دون أي مصدر واضح أو جهة يمكن الرجوع إليها.. الجميع ينقل عن الجميع، بينما لا وجود للأصل.
هنا أدركت أن القضية ليست في القهوة ولا في البسلة ولا في نوى البلح، بل في الطريقة التي تُصنع بها "الحقائق" على مواقع التواصل الاجتماعي.
فكرة واحدة قد تظهر في منشور عابر، ثم يعيد نشرها آخر، ثم يضيفها ثالث، حتى تتحول خلال ساعات إلى "معلومة منتشرة"، ومع الانتشار فقط تكتسب ثقل الحقيقة، رغم أن أحدا لم يسأل السؤال البسيط: من أين جاء هذا الكلام أصلا؟.
ولعل ما يحدث هنا يقترب مما أشار إليه عالم الاجتماع الفرنسي جوستاف لوبون في كتابه "سيكولوجية الجماهير"، حين تحدث عن أن الأفكار داخل الحشود لا تنتشر بقوتها المنطقية، بل بقوة تكرارها، فالتكرار وحده كفيل أحيانا بصناعة يقين زائف، يجعل الناس تتعامل مع الفكرة وكأنها حقيقة مستقرة.
وتذكرت فورا المشهد الأيقونى للفنان جميل راتب فى شخصية " البهظ" فى فيلم "الكيف"، حين كان يبرر غش الشاى بنشارة الخشب، ويحكى فى دهشة أن زبائنه هجروه عندما عاد فباع لهم الشاى من دون غش.. كان منطقه بسيطا ومضحكا فى الوقت نفسه: الناس اعتادت الطعم المغشوش حتى أصبحت تنفر من الطعم الحقيقى، وربما يحدث شىء مشابه على مواقع التواصل الاجتماعى، فالجمهور الرقمي أصبح يستهلك الأخبار المغشوشة والمثيرة حتى استساغ طعمها، وبات يرفض الحقيقة المجردة لأنها تبدو له (ماسخة) وبلا إثارة، فمع كثرة الشائعات والأخبار المثيرة والتفسيرات السريعة، يعتاد البعض هذا الإيقاع الصاخب، حتى تصبح الحقيقة الهادئة أقل جاذبية من الرواية التى تثير الدهشة والغضب وتدفع إلى المشاركة.
وبمرور الوقت، لا يعود التحقق هو الأساس، بل يصبح عدد المشاركات في حد ذاته نوعا من "البرهان غير الرسمي"، وكأن الانتشار يمنح الشائعة شرعية لا تستحقها.
ثم تبدأ الحكاية فى الاتساع .. منشور يُعاد نشره، تعليق يضيف عليه، صفحة توسع دائرته، حتى يصبح جزءا من "المعرفة العامة"، رغم أنه لم يمر على أبسط اختبار.. معرفة مصدره.
الأخطر أن ردود الفعل غالبا تسبق التحقق، فبدل أن يكون السؤال: هل هذا صحيح؟، يصبح: هل رأيت هذا؟، ثم تبدأ دوائر الغضب أو السخرية أو التصديق، وكأننا أمام حقيقة ثابتة، لا أمام معلومة لم تفحص أصلا، وهنا تتحول مواقع التواصل إلى ساحة للـمحاكمة السريعة والجاهزة، تقتات على الإثارة لا على الحقيقة.
وفي النهاية، لم تكن "البسلة" سوى مثال صغير على مشكلة أكبر.. ليست انتشار المعلومة الخاطئة فقط، بل في استعدادنا لتصديقها قبل أن نسأل عنها.. فبين منشور مجهول المصدر وآلاف المشاركات، تضيع أبسط قواعد التحقق.
ولعل أخطر ما في عصر السوشيال ميديا ليس الشائعة نفسها، بل أن يتحول التكرار إلى دليل، والانتشار إلى برهان، بينما تبقى الحقيقة وحدها في مكان آخر، تنتظر من يذهب إليها قبل أن يشارك ما لا يعرفه.
اليوم وقع الآلاف في (فخ البسلة)، وغداً سيقعون في فخاخ أخرى مجهولة المصدر.. الحل لا يكمن في إغلاق الشاشات، بل في استعادة حاسة الشك، وتدريب الأصابع على التمهل قبل الضغط على زر "المشاركة"، حتى لا نجد أنفسنا يوما نشرب من نهر الجنون، ونحن نصفق بكامل إرادتنا.