عن الناس والوطن

 أسامة عز الدين مدير تحرير مجلة أكتوبر

أسامة عز الدين مدير تحرير مجلة أكتوبر

 في كل مرة تشتعل فيها حرب جديدة، أو تتصاعد أزمة في منطقة من العالم- وما أكثرها- أجد نفسي أفكر أقل في الأرض والمبانى والمنشآت؛ وأكثر في الناس والسكان، فالأرض لا تبكي.. والمدن لا تشعر بالخوف.. والمباني لا تتألم، أما الناس، فهم الذين يدفعون الثمن في كل مرة.

وخلال ما يشهده العالم والمنطقة من اضطرابات ممتدة وصراعات لا تهدأ، تتكرر أمامنا مشاهد قاسية تذكرنا بأن الإنسان يظل هو جوهر الحكاية، وأن كل ما يحدث على الأرض يمر أولًا عبر قلبه وبيته وذاكرته.

وعند كل مشهد من هذه المشاهد يعود السؤال نفسه: ما هو الوطن؟

هل هو الأرض وحدها؟... أم الحدود فقط؟ ...أم أنه شيء آخر أكبر من ذلك كله؟

وأظن أن الإجابة الحقيقية تكمن في الناس.. الناس هم الذين يمنحون الأرض معناها، ويمنحون المدن روحها، ويمنحون الوطن ذاكرته وملامحه وحكايته.. ومن دون الناس تصبح الأماكن مجرد حجارة صامتة.

ولعل أوضح ما يفسر هذه الحقيقة هو ما نراه في شعوب تتمسك بأرضها رغم قسوة الظروف وطول المعاناة؛ فالفلسطينيون على سبيل المثال على امتداد أجيال متعاقبة، ظلوا يحملون الأرض في الذاكرة كما يحملونها في الواقع، ويورثون أسماء القرى والحكايات كما تُورَّث الأشياء الثمينة، وكأن المكان لا يغيب ما دام في القلب من يتذكره ويؤمن به.. ظلوا متمسكين بوطنهم، مدافعين عنه، متشبثين بالأمل رغم كل ما مر بهم من صعاب وتحديات.

والمصريون الذين واجهوا عبر التاريخ أزمات وحروبا وتحولات قاسية، ظلوا متمسكين بوطنهم، صابرين رغم كل ما مر بهم من معاناة وتحديات، وكأن بين الإنسان وأرضه خيطا خفيا لا ينقطع مهما اشتدت الظروف؛ لأن الوطن لا يُقاس بما يتعرض له من محن وأزمات، وإنما بما يملكه أبناؤه من قدرة على الاحتمال والبقاء والإصرار على الحياة.

فالناس ليسوا مجرد سكان يعيشون فوق مساحة من الأرض، وإنما هم الذين يمنحونها الحياة والمعنى والاستمرار.

ومن هنا فإن قوة الأوطان تقاس بما لديها من بشر قادرين على الصبر والبقاء والحلم رغم كل شيء.

وحين نتأمل التاريخ، نجد أن ما بقي من الأوطان لم يكن دائما الأبنية و المنشآت، بل الذاكرة التي حملها الناس، والقصص التي لم تنقطع، والإصرار على أن للحياة معنى حتى في أحلك الظروف.

الإنسان هو أول الوطن وآخره.. هو ذاكرته التي لا تموت. لذلك، فإن أعظم ما يمكن أن يقدمه أي وطن لأبنائه هو أن يحفظ فيهم إحساسهم بالانتماء، وكرامتهم، وقدرتهم على الاستمرار؛ ليبقى الوطن علاقة حية ممتدة بين الأرض والإنسان، تُصنع في الذاكرة والوجدان قبل أن تُرسم على الخرائط.

من هنا يبدأ الوطن… وهنا فقط يبقى.