لا أحد يختلف أن لحظة انتهاء الامتحانات واحدة من أكثر اللحظات التي ينتظرها الطلاب في العام كله، وربما ينتظرها معهم أولياء الأمور أيضا -كلٌ لأسبابه الخاصة- من ضغط نفسي إلى نفقات لا تنتهي إلى توتر أسري إلى غيرها من الأسباب.
لكن، ما أن تُسلم أوراق الإجابات حتى تظهر سلوكيات غير منضبطة أحيانا من بعض الطلاب عقب الخروج من اللجان تتجاوز الفرحة الطبيعية إلى مبالغات واستعراضات وتجاوزات لا تخلو من الفوضى بما يوحي بأن هناك خلافا بين هؤلاء الطلاب والعملية التعليمية انتهت أخيرا بالطلاق البائن دون رجعة.
لعل أكثر المشاهد ألفة لدينا هو تقطيع الكتب والمذكرات وإلقاؤها في الشوارع المحيطة باللجان؛ لكن المفارقة الجديدة هو تحول محيط بعض المدارس إلى ساحة مفتوحة للاحتفال بشتى أنواعه -وبالطبع كل منطقة بحسب ثقافتها- فمنهم من يعبر بالرقص والغناء على أصوات الموسيقى، ومنهم ما يستخدام المفرقعات والألعاب النارية والشماريخ -وما أدراك ما الشماريخ- وفي أماكن أخرى يتم عمل استعراض بالسيارات الفارهة.. وده طبعا معروف فين!!.
ويكفي هنا الإشارة إلى ما جرى تداوله مؤخرا على وسائل التواصل من ظهور مجموعة كبيرة من الفتيات يرقصن على أنغام "المزمار البلدي"، أمام إحدى مدارس محافظة بورسعيد عقب انتهاء امتحانات الشهادة الإعدادية. وفي حين رأى البعض في ذلك "تعبيرا عفويا" عن الفرحة والابتهاج بانتهاء الامتحات، توقف آخرون أمام هذه السلوكيات التي لا تليق بالطالبات أنفسهن، ولا بالمكان، ولا بطبيعة المناسبة.
وبالطبع يحضرني -ويحضركم أيضا- مشاهد الرقص في حفلات التخرج من الجامعات كل عام الذي تعدى الطلاب، إلى أولياء أمورهم!! -وكأن احتراف الرقص شرط من شروط التخرج- وأزيدكم من الشعر بيتا، فقد سمعت أحد الطلاب يطلب من ولى أمره التدريب وتمرين نفسه -على وحدة ونص- استعدادا لهذه اللحظة.. أيه رأيكم.
ولنعرج إلى مشهد آخر لا يقل سوءا عن سابقيه، وهو تُعرض بعض المراقبين والملاحظين بالمدارس عقب الخروج من اللجان لتجاوزات لفظية قد تتطور في بعض الحالات إلى اعتداءات بدنية -وهو أمر يتكرر كثيرا- ليس آخره ما جرى تداوله على وسائل التواصل لإحدى المدرسات وهي تستغيث أثناء تعرضها للاعتداء من بعض الطلاب عقب أداء الامتحان هذا العام في محافظة الشرقية!!.
وحتى وإن جرى تصحيح الخبر بعد ذلك ليُقال بأن من تم الاعتداء عليها هي "ولية أمر"، فإن جوهر المشكلة يظل قائما؛ وهو تحول وقت خروج الطلاب من الامتحان إلى لحظة يشوبها العنف والانفعال؛ فيجد المعلم أو المراقب -أو حتى ولي الأمر نفسه- عرضة للإهانة أو الاعتداء بسبب سلوك بعض الطلاب غير المنضبطين أخلاقيا.
ورغم اختلاف هذه الوقائع، فإنها تعكس ظاهرة واحدة؛ وهي سعي بعض الطلاب إلى "تفريغ"، ما تراكم لديهم من ضغوط نفسية وجهد وعناء خلال فترة الدراسة دفعة واحدة، دون التفات إلى طبيعة المكان أو الصورة العامة في المجتمع، فتغيب أحيانا اعتبارات احترام الآخرين، والالتزام بالذوق العام، وتطغى الرغبة في التعبير عن الفرح بأي وسيلة كانت حتى ولو بالشماريخ!!.
والمشكلة هنا ليست في الفرح نفسه، وإنما في الطريقة التي يُعبر بها عنه. فالتعبير عن السعادة أمر طبيعي ومشروعومطلوب أيضا؛ لكن ذلك يختلف كثيرا عن المبالغات والتجاوزات التي تزعج الآخرين وتسيء إلى أصحابها قبل أن تسيء إلى غيرهم.. افرح كما تشاء، لكن دون إساءة أو مضايقة للآخرين، لتبقى النهاية لحظة جميلة لا تترك إلا أثرا طيبا لك ولمن حولك.