في مساء هادئ ساقتني أقدامي إلى مقهى قريب، اخترت طاولة في زاوية المقهى، جلست أتابع المشهد من حولي، كنت أراقب دخان الشيشة وهو يتلوى في الهواء، وكانت السيارات تسير بسرعة علي جانب الطريق، كان الجو مزدحم، الأصوات متداخلة، لكن اللافت كان طاولة بجانبي: خمسة شباب، هواتفهم مرصوصة أمامهم، كل منهم يمرر إصبعه بصمت، بينما المقهي من حولهم مليئة بالحركة، فجأة رفع أحدهم رأسه ليسأل صديقه: “شوفت منشوري؟ عمل كام لايك؟” لم ينتظر رد صديقه عليه و عاد لشاشته كما لو أن شيئا لم يكن.
علي طاولة أخري في نفس المقهي كان هناك رجل خمسيني يتحدث مع صديق له، ملامحه كانت تلمع من فرط الفرحة، وهو يصف له مقطعا مرئيا لحفيده أرسله له ،ويظهر له الهاتف بفخر ليخبره كيف صنع حفيده هذا المقطع.
المفارقة هنا أشخاص قربين بشكل حقيقي وآخرين لديهم قرب وهمي تصنعه الشاشة.
أتذكر ليلة عيد منذ فترة ليست بعيدة كنت جالسا في صالة منزلنا، أقلب في القنوات، أولادي يلعبون جلست معهم، لكن هاتفي كان يرن بإشعارات لا تتوقف كنت أرد على رسائل، أشاهد مقاطع، وأنا أرد عليهم بكلمات مقتضبة دون أن أسمع سؤالهم دون أن أنظر في أعينهم حتي “العيد حلو”.
حين انتهى كل شيء في تلك الليلة وذهب الجميع للنوم، جلست وحدي، أتصفح صور العائلة التي التقطناها سابقا.. ابتساماتنا فيها كانت حقيقية، لكن ما بين الصور كان فارغا، لم أكن غائبا بالجسد، لكن روحي كانت مشتتة بين عوالم افتراضية لا احد يعرف عنها شيئا، شعرت بلذة مريرة: أنا في بيتي، بين من أحب، ومع ذلك، كنت وحدي أكثر مما لو كنت في غرفة مغلقة لكن الهاتف، كالعادة، يناديني، والتليفون يئن تحت رنين صامت.
ربما نخدع أنفسنا حين نعتقد أننا نستخدم وسائل التواصل، ولكن الحقيقة الأكثر ألما أنها هي التي تستخدمنا، هذه المنصات صممت لتخطف انتباهنا، لتجعلنا نبحث عن التقدير الخارجي بدل السلام الداخلي زر "الإعجاب" ليس مجرد أيقونة؛ إنه اندفاع سريع من الإحساس بالمكافأة تجعلنا نعود كل بضع دقائق، نبحث عن اعتراف الآخرين بوجودنا.
السؤال الأعمق الذي يتردد في ذهني : إذا كان وجودي يتوقف على كم التفاعل مع صورتي ومنشوراتي، فهل أنا موجود حقا عندما تكون الشاشة مطفأة؟
إن الإنسان في زمن سابق، كان يشعر بالوحدة حين يكون وحيدا، أما اليوم، أصبحنا نشعر بالوحدة ونحن في قلب الزحام، بين أصدقائنا، وسط عائلتنا، وتحولت الوحدة من حالة إلى مهارة نتدرب عليها بلا وعي: نجيد التحدث من دون كلام، نجيد التواجد من دون حضور، نجيد المصافحة من دون أن نشعر بكف الأخرىن، أصبحنا اليوم نقضي عمرنا ننظر إلى الأصابع، إلى الشاشات، إلى الواجهات.
عدت بعد وقت طويل نسبيا من المقهي إلي المنزل وفتحت هاتفي كالعادة رأيت صورة لصديق قديم لم أره منذ سنتين، يضع تعليقا: "وحشتوني جدا" كتبت تحتها: "أنا هنا، عايز أشوفك " جاء رده: "أنا مشغول الأيام دي ، بس ان شاء الله قريب".
"قريب".. هي الكلمة التي نؤجل بها أحلام اللقاء، نعلق بها قلوبا تنتظر، لكن كم من لقاء "قريب" يصبح سنوات، وكم من لقاء افتراضي يسرق لقاء حقيقيا كان يمكن أن يكون أجمل؟
أصبحت السوشيال ميديا مثل جسر معلق بين جبلين، يمكنك أن تمر منه بسرعة، لكنك لن تشعر برائحة التراب في الجبلين، ولن تسمع صوت الريح، و كل ما ستحصل عليه هو صورة بانورامية، تستطيع أن تتصفحها، لكن لا تستطيع أن تسكنها.
في لحظة ما، تحولت حياتنا إلى ما يشبه الهاتف حين يوضع على “وضع الصامت” كل شيء يعمل من الخارج بشكل طبيعي: رسائل تصل، إشعارات تهتز، مكالمات بلا توقف، لكن الداخل مختلف تماما، لا صوت حقيقي يصل، الوجوه تمر دون أن تترك أثر، حتى أقرب الناس إلينا أصبحوا كأنهم إشعارات عابرة، نراهم ولا نسمعهم، نرد عليهم ولا نعيش معهم وهكذا أصبحت حياتنا: صوتها عالي من الخارج، وفي الداخل لا نسمع أي شيئ.
اصبح حال حياتنا اليوم على مفترق طرق: إما أن نتركها تمر وكأنها مجرد وقت يضيع، أو نسمح لها أن تنسحب إلى حياتنا وتأخذنا معها شيئا فشيئا من دون أن نشعر، إما أن نعود إلى بعضنا… بوجوهنا، بكلامنا، وبحضورنا الحقيقي، أو نظل نعيش نصف حضور أمام التليفون ونصف غياب أمام من حولنا.
المسألة ليست صعبة… لكنها تحتاج قرارا بسيطا:
أن نضع الهاتف جانبا قليلا، أن ننظر إلى من أمامنا ، عندها فقط نشعر أننا عدنا لنعيش فعلا .. ويا ليتنا نستطيع ذلك.