"الهروب الأخير" .. وراء كل واقعة انتحار حكاية ألم كانت تحتاج إلى من يسمعها قبل فوات الأوان

الكاتب الصحفي إبراهيم الصعيدي  رئيس قسم الحوادث جريدة روزاليوسف

الكاتب الصحفي إبراهيم الصعيدي رئيس قسم الحوادث جريدة روزاليوسف

في السنوات الأخيرة، لم يعد خبر الانتحار صادمًا كما كان، بل أصبح يتكرر بصورة تدعو إلى القلق، فتجد طالب لم يتحمل نتيجة امتحان، زوجة أنهكها خلاف أسري، شاب ضاقت به الأزمات المالية، أو فتاة شعرت بأن الدنيا أغلقت أبوابها في وجهها، يختار الانتحار للهروب من المشكلة بدلًا من مواجهتها.

مشاهد مختلفة، لكن النهاية واحدة، وكأن البعض بات يرى أن إنهاء الحياة هو الطريق الأسرع للهروب من المشكلات.

والحقيقة أن المشكلة ليست في كثرة الأزمات، فالحياة لم تخلُ يومًا من الابتلاءات، وإنما في ضعف القدرة على التعامل معها، وفي تراجع ثقافة الصبر وطلب المساعدة، حتى أصبح بعض الناس يتخذ قرارًا لا رجعة فيه بسبب أزمة قد تكون مؤقتة، الانتحار لا ينهي المشكلة، بل يترك وراءه مآسي أكبر.

 أسرة تعيش سنوات من الألم والندم، وأطفال يفقدون السند، وأصدقاء يطاردهم سؤال مؤلم: "هل كان بإمكاننا إنقاذه؟". فقرار واحد قد يدمر حياة عشرات الأشخاص.

ولا يمكن تحميل المسؤولية لفرد واحد فقط، فالمجتمع كله شريك في المواجهة، فالأسرة مطالبة بالاحتواء والحوار، والمدرسة والجامعة بدعم الطلاب نفسيًا قبل محاسبتهم على النتائج، ووسائل الإعلام بنشر ثقافة الأمل وعدم التعامل مع الانتحار باعتباره حلًا أو بطولة، كما أن المؤسسات الدينية يقع على عاتقها تعزيز الوازع الديني وترسيخ قيمة حفظ النفس، مع التأكيد على الرحمة والدعم لمن يمرون بضيق، بعيدًا عن الوصم أو القسوة.

كما أن الجهات المعنية مطالبة بتوسيع خدمات الدعم النفسي والتوعية، لأن كثيرين يحتاجون فقط إلى من يستمع إليهم قبل أن يتخذوا قرارًا مأساويًا.

نحن بحاجة إلى أن نعيد للناس يقينًا بسيطًا، وهو أن كل أزمة لها نهاية، وأن الفشل يمكن تعويضه، والخلاف يمكن إصلاحه، والخسارة يمكن تجاوزها، لكن الحياة إذا انتهت فلن تكون هناك فرصة أخرى.

إن بناء مجتمع أكثر تماسكًا لا يكون فقط بالقوانين، بل أيضًا بالكلمة الطيبة، والاحتواء، والتكافل، وتعزيز الإيمان، حتى يشعر كل إنسان بأن هناك من يمد له يد العون قبل أن يستسلم لليأس.

فالحياة، مهما اشتدت قسوتها، تظل دائمًا أثمن من أن تنتهي بسبب لحظة ضعف.