هل نستيقظ كل صباح ونشكر الله على نعمة العافية، الإجابة نادرًا ما نأخذ بالنا أننا استيقظنا في وجود مثل هذه النعمة، وليست العافية فقط بل نعم صغيرة منسية كالرغبة في الأكل والشرب والنوم والإخراج، أشياء إنسانية وهبها الله لنا مجانًا، لكننا نتعامل معها على أنها أصبحت من ضمن استحقاقنا وعند وقوعنا في عثرة، أو مرض يسلب منا هذه الأشياء تجدنا نبكي دمًا رغبة في عودتها لنا يومًا مرة أخرى.
ذات يوم قالى لي أحد الأصدقاء، وهبنا الله نعمة مضغ الطعام وهي نعمة مجانية -يشير بذلك إلى الأسنان- توقفت عندها ولم أستشعر جيدًا ما قاله، وإذ بوعكة صحية أصابتنى سلبتنى الراحة والنوم والأكل والقدرة على العمل والتفكير والتواصل مع أهلى وأصدقائي وكل متع الحياة، حتى اختفت الأفكار الإيجابية وسيطرت مكانها أفكارًا سلبية لم أكن أعلم يومًا أنها موجودة بداخلى.
وجدتنى أصارع أشباحًا لا أعرف كيف حضروا، ولا حتى كيف أصرفهم، شعرت بالضعف والوحدة وكل يوم يمر عليا أعتقد أنها النهاية، وإذ بيدي ترفع لخالق السماوات والأرض القاهر فوق عباده ومخلوقاتها تترجاه أن يغيثنى مما أنا فيه، فلساني لا يعرف كيف يخاطبه ويرجوه فكنت استشعر نفسي كأني يونس في بطن الحوت، فبعدما راجعت مواقفي وشريط حياتي يمر أمامي عيني وجدت أني من الغافلين وأن نعمة التسليم لا توجد في حياتي، فأنا كثيرة التفكير في كل صغيرة وكبيرة، دائمة الحسابات، حذرة من كل شئ ومخاوفي لا تنتهي، وعندها تيقنت أن هذه الأشباح أنا من ربيتها داخلى على مدار عمري، ولم أتخيل يومًا بأنها ستهاجمي وربما تتسبب في موتي في أكثر لحظاتى ضعفًا.
في هذه الحياة التي أختارنا الله أن نعيشها والتي ستنتهي بتوقيت يحدده الخالق، علينا أن ندرك كم النعم التي تحيطنا، ونخرج من حساباتنا المادية البحتة ونعتمد على الله سبحانه وتعالى في تدبير واختيار أمورنا، فكم لله من لطف خفي يحاوطنا في كوارث كثيرة لا نعلم عنها شيئًا.
ونصيحتي للجميع لا تدع الوساوس والمخاوف تعيقك عن الحياة، فجميعنا يشعر بالضغط النفسي ولكن نجا منه من كان تسليمه لله منذ البداية، أما من تدخل في حكمته فسقط في بئر نفسه، وهذه البئر موحشة لا خروج منها إلا بلطف الرحمن، فقبل وقوعكم فيها أنقذوا أنفسكم واتركوا حياتكم للتسليم، فالله لن يضيع عباده.
وقبل الختام، في هذه الرحلة الصعبة أدركت أن المسئوليات التي تتسبب لنا هذه الضغوط كانت مصدر قوتي، فالقوة على قدر المأونة سلموها لله تسلموا، ودعوتي لله في هذه اللحظة ليخرجني من بطن الحوت: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" طمعًا في ربي أن ينجيني من ظلمات نفسي كما وعد بالاستجابة بنجاة المؤمنين، ولكل من يمر بضيق اجعلها دعوتك لله خالصة لينجينا جميعًا.