حين تتحول النعمة إلى خسارة.. هدر الطعام واستنزاف دخل الأسرة والاقتصاد الوطني

نجوى العشيري

نجوى العشيري

في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة وارتفاع أسعار السلع الغذائية، تبرز قضية هدر الطعام كواحدة من القضايا التي تمس حياة كل أسرة بشكل مباشر، ولم تعد مجرد سلوك فردي يمكن تجاوزه، بل أصبحت ظاهرة لها انعكاسات اقتصادية واجتماعية وبيئية واسعة.

ما يُلقى يومياً من الطعام لا يمثل مجرد فائض غير مستخدم، بل يعكس استنزافاً حقيقياً للمال والموارد والطاقة التي بُذلت في إنتاجه ونقله وتخزينه، وهو ما يجعل من هذه الظاهرة تحدياً حقيقياً أمام جهود تحقيق الأمن الغذائي والتنمية المستدامة.

تشير بعض التقديرات الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) إلى أن الفرد في مصر يهدر ما يقرب من 91 كيلوجراماً من الطعام سنوياً، مع ارتفاع ملحوظ في معدلات الهدر خلال المواسم والأعياد. كما أوضحت دراسات استقصائية أن نسبة كبيرة من الأسر المصرية تتخلص من جزء من الطعام بدرجات متفاوتة، خاصة من الخبز والخضروات والفاكهة ومنتجات الحبوب، وهي من أكثر الأغذية قيمة من حيث التكلفة الغذائية والاقتصادية.

كما تشير بيانات أخرى إلى أن نسباً معتبرة من بعض السلع الأساسية مثل الخضروات والفاكهة والقمح والألبان تتعرض للفقد والهدر خلال مراحل الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، ما يؤدي إلى خسائر تتجاوز حدود الاستهلاك الفردي لتنعكس على الاقتصاد ككل.

يمثل هدر الطعام عبئاً مباشراً على ميزانية الأسرة، حيث يؤدي إلى زيادة الإنفاق الشهري دون عائد حقيقي، واستنزاف جزء من الدخل في شراء كميات لا يتم استهلاكها، وهو ما يضعف القدرة على الادخار أو مواجهة الطوارئ، ويؤدي مع الوقت إلى ترسيخ سلوكيات استهلاكية غير رشيدة داخل الأسرة.

ولا تقف الآثار عند هذا الحد، بل تمتد إلى الاقتصاد الوطني، إذ يؤدي هدر الطعام إلى زيادة الطلب غير الحقيقي على السلع الغذائية، وارتفاع معدلات الاستيراد بما يضغط على النقد الأجنبي، إلى جانب إهدار الموارد الطبيعية مثل المياه والطاقة والأراضي الزراعية، فضلاً عن زيادة تكاليف جمع المخلفات والتخلص منها، وما يرتبط بذلك من أعباء اقتصادية متصاعدة.

وتتجلى العلاقة بين هدر الطعام وارتفاع الأسعار في كونها علاقة متبادلة التأثير. فكلما زادت كميات الطعام المهدرة، ارتفع الطلب الفعلي لتعويض هذا الفاقد، مما يؤدي إلى زيادة الضغط على الإنتاج وسلاسل الإمداد والاستيراد، وهو ما ينعكس في النهاية على ارتفاع الأسعار. وفي المقابل، فإن ارتفاع الأسعار قد يدفع بعض الأسر إلى الشراء بكميات أكبر عند توفر العروض أو التخزين غير المدروس، مما يؤدي في النهاية إلى تلف جزء من هذه المشتريات، لتتشكل دائرة مفرغة من الاستهلاك غير الرشيد والهدر.

ومن هنا يبرز سؤال مهم يفرض نفسه:

هل نشتكي من ارتفاع الأسعار بينما نساهم بشكل غير مباشر في زيادتها؟

إن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ من داخل الأسرة، من خلال التخطيط الجيد للمشتريات وفق الاحتياج الفعلي، وتنظيم التخزين بشكل صحيح، وإعادة استخدام بقايا الطعام بطرق مبتكرة، وتقليل الكميات المقدمة بما يتناسب مع الاستهلاك الحقيقي، إضافة إلى توجيه الفائض الصالح للاستهلاك إلى المحتاجين بدلاً من التخلص منه.

كما أن غرس قيم الاعتدال في الاستهلاك لدى الأبناء يمثل استثماراً طويل الأمد في بناء جيل أكثر وعياً وقدرة على إدارة الموارد، وأكثر إدراكاً لقيمة النعمة وأهمية الحفاظ عليها.

وفي إطار البحث عن حلول أكثر شمولاً، هيّا بنا نتبنى حملات توعية ومبادرات مجتمعية متكاملة، تشارك فيها مؤسسات الدولة، ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام، ودور العبادة، والقطاع الخاص، كلٌّ من موقعه، بهدف ترسيخ ثقافة الاستهلاك الرشيد والحفاظ على النعمة.

فمواجهة هدر الطعام ليست مسؤولية فردية فحسب، بل هي مسؤولية جماعية تتكامل فيها الجهود لتخفيف العبء عن الأسر المصرية، ودعم الاقتصاد الوطني، وتعزيز الأمن الغذائي.

إن الحفاظ على الطعام ليس مجرد سلوك استهلاكي، بل هو قيمة اقتصادية وأخلاقية وإنسانية في آن واحد. فكل لقمة يتم الحفاظ عليها تمثل وفراً في الدخل، ودعماً للاقتصاد، وخطوة نحو مستقبل أكثر استقراراً.

ولعل الرسالة الأهم أن النعمة لا تُقاس بوفرتها، بل بحسن إدارتها، وأن ترشيد الاستهلاك ليس ترفاً، بل ضرورة وطنية ومجتمعية .