ليست كل المباريات تُقاس بعدد الأهداف، فهناك مباريات تُقاس بقدر ما توقظه فينا من انتماء. وأمس، لم أشاهد مباراة كرة قدم بين مصر والأرجنتين، بل رأيت وطنًا اسمه مصر يقف شامخًا أمام العالم، وشبابًا يحملون علمه بكل فخر، ويقاتلون حتى اللحظة الأخيرة دفاعًا عن اسم بلادهم.
أعترف منذ البداية أنني لست من عشاق كرة القدم، ولا أحفظ أسماء اللاعبين، ولا أجلس أمام شاشة التلفاز انتظارًا لصافرة البداية أو النهاية. لكن الأمر يختلف تمامًا عندما يكون اسم مصر هو الطرف الأول في المباراة.
في تلك اللحظة، لا يعود السؤال: من سيسجل الهدف؟ بل يصبح: كيف سيظهر اسم مصر أمام العالم؟
أمس، لم أكن أتابع خطة لعب، ولا أقيّم أداء لاعب أو مدرب، بل كنت أتابع شبابًا مصريين يحملون حلم ملايين المصريين، ويبذلون كل ما لديهم من جهد حتى تبقى الراية المصرية مرفوعة، وحتى يثبتوا أن المصري لا يعرف الاستسلام مهما كانت قوة المنافس.
قد تكون النتيجة قد ذهبت لصالح منتخب الأرجنتين، لكن هناك نتائج لا تُقاس بلوحة الأهداف. فأن تواجه منتخبًا عريقًا، وتظل منافسًا حتى اللحظات الأخيرة، فهذا وحده رسالة بأن الإرادة المصرية لا تزال قادرة على صناعة الفارق.
ولأنني لست كروية، فقد شدني أمر ربما يختلف عما يلفت نظر المحللين الرياضيين.
شدني ذلك المشهد الجميل الذي جمع المصريين على اختلاف أعمارهم واهتماماتهم. رأيت الجميع يتابع، ويدعو، ويهتف، ويفرح بكل هدف، ويحزن مع كل فرصة ضائعة. للحظات، اختفت كل الخلافات، ولم يبق إلا شيء واحد يجمعنا جميعًا… اسمه مصر.
هذا هو جمال الرياضة.
فهي لا تمنحنا المتعة فقط، بل تذكرنا بأن الانتماء لا يزال يسكن القلوب، وأن هناك راية إذا ارتفعت، ارتفعت معها مشاعر الملايين.
والوطن لا يُبنى فقط بالمشروعات العملاقة، أو بالإنجازات الاقتصادية، أو بما يتحقق على أرض الواقع من تنمية، بل يُبنى أيضًا بهذا الشعور النبيل الذي يجعل أبناءه يلتفون حول اسمه في كل محفل، ويشعرون أن نجاحه نجاح لهم، وأن تعثره مسؤولية يتمنون تجاوزها.
رسالتي اليوم ليست إلى لاعبي المنتخب وحدهم، بل إلى كل مصري.
لا تجعل قيمة الإنسان أو الوطن مرتبطة دائمًا بالنتيجة النهائية. فكم من تجربة لم تنتهِ بالفوز، لكنها صنعت الثقة والخبرة والاحترام. وكم من خسارة كانت بداية لانتصارات أكبر.
شكرًا لكل لاعب ارتدى قميص المنتخب، لأنكم لم تمثلوا أنفسكم فقط، بل حملتم اسم وطن يمتد تاريخه لآلاف السنين، وطن يستحق منا أن نفتخر به في كل الأحوال، سواء فاز أو خسر.
قد تنتهي المباريات بصافرة الحكم، لكن الانتماء لا يعرف صافرة نهاية. فمصر ليست فريقًا نشجعه عندما ينتصر، ثم ننساه إذا تعثر، بل وطن يسكن قلوبنا، ونفخر بالانتماء إليه في كل وقت.
لذلك، ستظل النتيجة مجرد رقم في سجل مباراة، أما مصر… فهي دائمًا أكبر من أي مباراة.
تحيا مصر… دائمًا وأبدًا.
ليست كرة قدم… إنها مصر