هناك أماكن لا تستحق أن تُذكر إلا باعتبارها نماذج للنجاح، لكن القدر شاء أن تُعرف اليوم من خلال صرخات الاستغاثة.
هذا هو حال عرب العليقات بمركز الخانكة، التي تصدرت خلال الأيام الماضية صفحات التواصل الاجتماعي بعد أن أطلق أهلها نداءات متكررة بسبب الأدخنة الكثيفة المتصاعدة من مقلب أبوزعبل، وما تسببه من معاناة يومية وآثار بيئية وصحية يخشى الجميع أن تتفاقم مع مرور الوقت.
ورغم قسوة هذا المشهد، فإنني أرى أن الأزمة تحمل في طياتها فرصة تستحق أن نتوقف أمامها.
فالكثيرون لا يعلمون أن عرب العليقات لم تكن يومًا مجرد منطقة مجاورة لمقلب للمخلفات، وإنما كانت منذ سنوات محل رؤية تنموية طموحة، بدأت في عهد المحافظ الأسبق المستشار عدلي حسين، عندما قُدمت دراسة متكاملة من أحد أبناء المنطقة، وهو من العاملين في مجال التطوير العقاري، استهدفت استغلال المقومات الطبيعية الفريدة للمكان وتحويله إلى منتجع سياحي وعلاجي واستثماري، يكون نقطة جذب لمحافظة القليوبية.
وعندما توليت رئاسة مركز ومدينة الخانكة، في عهد المحافظين المهندس محمد عبد الظاهر ثم الدكتور رضا فرحات، عاد هذا الملف إلى دائرة الاهتمام مرة أخرى، وجرى استعراض تلك الدراسات ومناقشة سبل الاستفادة منها، إيمانًا بأن المنطقة تمتلك من المقومات ما يؤهلها لتكون مشروعًا تنمويًا كبيرًا، لا مجرد منطقة تعاني من مشكلات بيئية.
كانت الفكرة تقوم على تحويل موقع ظل سنوات طويلة مرتبطًا بالإهمال إلى مشروع يحقق قيمة مضافة للمحافظة، ويوفر فرص عمل لأبناء المنطقة، ويجذب الاستثمار، ويعيد رسم الصورة الذهنية لعرب العليقات باعتبارها نموذجًا للتنمية المستدامة.
لكن، وللأسف، بقيت الفكرة حبيسة الأدراج، وتوقفت الخطوات، بينما استمرت معاناة المواطنين، حتى وصلنا إلى المشهد الذي نراه اليوم.
ومن هنا، فإنني لا أكتب هذا المقال لأسترجع الماضي، ولا لألقي اللوم على أحد، وإنما لأدعو إلى استثمار الحاضر من أجل المستقبل.
إن الدولة المصرية، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، نجحت خلال السنوات الأخيرة في إعادة إحياء مناطق كانت تبدو خارج حسابات التنمية، وتحولت إلى مشروعات قومية غيرت حياة الملايين. وهذا يؤكد أن الإرادة السياسية، عندما تقترن برؤية علمية، تستطيع أن تصنع الفارق.
لذلك، فإنني أتوجه بنداء إلى الدكتور المهندس حسام عبد الفتاح، محافظ القليوبية، وإلى جميع الجهات المعنية، بإعادة فتح ملف مشروع عرب العليقات، والبحث في الدراسات التي أُعدت على مدار السنوات، وتحديثها بما يتوافق مع رؤية مصر 2030، وتشكيل لجنة من المختصين في التخطيط العمراني والبيئة والاستثمار لدراسة أفضل السبل لإحياء هذا المشروع.
فحل مشكلة التلوث لا يقتصر على إخماد الحرائق أو إزالة المخلفات، بل يبدأ بإيجاد رؤية تنموية متكاملة تجعل من المكان قيمة مضافة، وتحول الأزمة إلى فرصة، والشكوى إلى إنجاز.
إن أهالي عرب العليقات لا يطلبون المستحيل، وإنما يطلبون حقهم في بيئة آمنة، وهواء نقي، ومستقبل أفضل لأبنائهم.
وأنا على يقين بأن المحافظة تمتلك الكفاءات، والدولة تمتلك الإرادة، وما ينقص هذا الملف هو قرار يعيد إليه الحياة.
فلنجعل من استغاثة الأهالي بداية لإحياء مشروع تنموي طال انتظاره، ولتكن عرب العليقات نموذجًا جديدًا يؤكد أن التنمية هي أقصر الطرق لحل المشكلات، وأن الأفكار الجيدة لا ينبغي أن تبقى حبيسة الأدراج.
لأن التنمية ليست حلمًا مؤجلًا… بل قرار ينتظر التنفيذ
إهداء إلى أهالي عرب العليقات… الذين لم يفقدوا الأمل في أن يروا منطقتهم كما تستحق أن تكون.