في زمنٍ تتزاحم فيه الآراء وتتباين المواقف، يبقى هناك أشخاص لا يحتاجون إلى من يدافع عنهم؛ لأن تاريخهم الطويل من العطاء هو أبلغ رد، وسيرتهم الوطنية هي الشاهد الذي لا يكذب.
ومن بين هذه القامات الوطنية الكبيرة، تأتي السفيرة ميرفت التلاوي، التي لم تكن مجرد دبلوماسية بارزة أو مسؤولة تولت مواقع رفيعة، بل كانت نموذجًا للمرأة المصرية القوية والواعية، التي حملت هموم وطنها وقضايا مجتمعها بإخلاص وشجاعة ونزاهة.
عرفتها مصر في مواقع المسؤولية المختلفة، فعرفت فيها الكفاءة والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. وعرفتها المرأة المصرية مدافعةً صلبة عن حقوقها، مؤمنةً بأن تمكين المرأة ليس شعارًا يُرفع، بل عمل جاد ورؤية وطنية متكاملة. وكانت، في كل موقع تولته، منحازةً إلى الحق، مؤمنةً بالعدل، رافضةً المجاملة على حساب المبادئ.
ولأن أصحاب القامات الكبيرة يتركون أثرًا عميقًا، فإنهم يصبحون أحيانًا عرضة لكلمات أو مواقف لا تنصف حجم عطائهم. لكن الحقيقة التي لا تتغير هي أن الأشخاص يُقاسون بما قدموه لوطنهم عبر سنوات طويلة، لا بعبارة عابرة أو رأي طارئ. والتاريخ، في النهاية، هو الحكم الأكثر عدلًا وإنصافًا.
وأقولها بكل فخر واعتزاز: لقد كان من شرفي أن أعمل تحت رئاسة السفيرة ميرفت التلاوي، وأن أتعلم من خبرتها الواسعة ورؤيتها الوطنية الصادقة. رأيت فيها القائدة التي تجمع بين الحزم والإنسانية، وبين قوة القرار واحترام الآخرين، وبين الانحياز إلى الحق والحرص على مصلحة الوطن.
كانت، ولا تزال، بالنسبة إليّ قدوة ومثلًا أعلى، ليس فقط لما حققته من إنجازات، بل لما جسدته من قيم النزاهة والشفافية والشجاعة الأدبية. تعلمنا منها أن المسؤولية تكليف وليست تشريفًا، وأن خدمة الوطن لا تكون بالكلمات، وإنما بالعمل والإخلاص وتحمل المسؤولية.
إن ميرفت التلاوي ليست رمزًا لنجاح امرأة مصرية فحسب، بل هي رمز لكل وطني شريف يؤمن بأن بناء الأوطان يحتاج إلى أصحاب المبادئ والمواقف. وستظل سيرتها المشرفة مصدر إلهام لأجيال من النساء والرجال الذين يؤمنون بقيمة العمل العام النزيه.
تحية تقدير واحترام لسيدة من سيدات مصر العظيمات، ولتاريخ وطني مشرف لا تنال منه الكلمات؛ لأن الإنجازات الحقيقية تبقى، أما الضجيج فيمضي مع الزمن.


