عزلة تحت سقف واحد: هل تسرق الشاشات دفء العائلة؟

محمود زعتر

محمود زعتر

في غرفة المعيشة التي كانت يوماً مسرحاً لضحكات العائلة وحكايات الأجداد، يسود اليوم صمت مطبق؛ ليس صمتاً اختيارياً للتأمل، بل هو صمت رقمي يفرضه انغماس كل فرد في شاشته الخاصة. هذا المشهد بات يتكرر في ملايين البيوت، ليطرح تساؤلاً جوهرياً حول تحول التكنولوجيا من وسيلة للاتصال إلى أداة للقطيعة المجتمعية.

تشير الدراسات الاجتماعية الحديثة إلى أن متوسط الوقت الذي يقضيه الفرد خلف الشاشات تجاوز ست ساعات يومياً، وهذه الساعات لا تُقتطع من وقت العمل فحسب، بل تُسرق بالأساس من "الوقت النوعي" الذي كان مخصصاً للتفاعل الأسري الحميم؛ لقد أصبح التواصل مجرد رسائل مقتضبة عبر تطبيقات الدردشة، حتى بين أفراد الأسرة الذين يفصل بينهم جدار واحد.

وهذه الظاهرة التي يسميها خبراء الاجتماع "الغربة المنزلية"، أدت إلى تآكل مفهوم القدوة ونقل الخبرات بين الأجيال؛ فالطفل الذي يرى والديه منشغلين بهواتفهم طوال الوقت، يتعلم أن العالم الافتراضي أهم من الواقع المحيط، مما يخلق جيلاً يعاني من هشاشة المهارات الاجتماعية وضعف الذكاء العاطفي.

ولا تتوقف المشكلة عند حدود العزلة، بل تمتد إلى المقارنات القاتلة التي تفرضها منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث يعيش الكثيرون حالة من السخط الدائم على واقعهم المعيشي نتيجة متابعة "الحياة المثالية المصطنعة" للمؤثرين. وهذا الضغط النفسي يؤدي إلى نشوب خلافات أسرية نابعة من تطلعات مادية تفوق القدرات، مما يزيد من معدلات التوتر والطلاق في المجتمعات.

ويؤكد المختصون أن الإفراط الرقمي ساهم في ظهور فجوة فكرية عميقة بين الآباء والأبناء؛ فالأبناء يستقون قيمهم ومعلوماتهم من خوارزميات ومنصات عالمية قد لا تتناسب مع الهوية الثقافية للمجتمع، في ظل غياب الحوار الأسري الذي كان يعمل كـ "فلتر" طبيعي للأفكار الدخيلة.

إن الحل لا يكمن في معاداة التكنولوجيا أو منعها، بل في استعادة السيطرة عليها. فنحن بحاجة إلى مبادرات مجتمعية ترفع شعار "الوعي الرقمي"، تبدأ من تحديد مناطق وأوقات خالية من التكنولوجيا داخل المنزل (مثل وقت الطعام)، وتعزيز الأنشطة الجماعية التي تتطلب تفاعلاً حركياً وبصرياً مباشراً، وإعادة إحياء ثقافة الحوار المفتوح لمناقشة التحديات اليومية.