الحجُّ ويُسر الإسلام (٢)

الكاتب الصحفي صبري الموجي

الكاتب الصحفي صبري الموجي

 في مقالي السابق ذكرتُ بعضَ صور يسر الإسلام في الحج، ووعدتُ بأن أُكمل تلك الصور في مقال لاحق أو أكثر؛ خوفا على القارئ من الإطالة المملَّة، وها أنا أفي بوعدي، وأؤكد أنَّ يُسر الإسلام في هذه الشعيرة، يتمثلُ بجانب ما سبق في أنّه لم يفرضها على المسلمين كلّ عام، بل يكفي المرء أن يحج مرة واحدة إن كان مستطيعا، وإن انتفت الاستطاعة، فلا تثريب عليه، ويسقط عنه الركن. 
وفرضَ الشرعُ على الحجيج زيّا لا كُلفة فيه، يقدر على شرائه الفقيرُ قبل الغني؛ ليتحقق معنى المساواة. وتلبس المرأة ما تشاء دون أن يصف لباسها أو يشف، فالعبرةُ في الستر والحشمة.
وحدّد الشرعُ للإحرام مواقيت مكانية، يُحرِم عندها الحاجُ، فيلبس إزاره ورداءه بعد الاغتسال والتطيب، وعقب ذلك يتجنب محظورات الإحرام من أخذ من الشعر أو الأظافر، أو التطيب، ويتجنّب تغطية الرأس بملاصق، و يتجنب قتلَ الصيد، ولبس المخيط، والجماع وعقد النكاح، ثم يؤازر بين انعقاد القلب (محل النية) والنطق باللسان، فيقول: «لبيك اللهم حجا، أو لبيك اللهم عمرة متمتعا بها إلي الحج»، ويُقرن بين الحج والعمرة إن ساق معه الهدي (الذبيحة) من خارج مكة، كما فعل النّبيُّ، فإن لم يسق الهدي، وهذا حال السواد الأعظم من قاصدي بيت الله الحرام، كان التمتّع في حقه أولى. وبعد أن يعتمر يتحلل من إحرامه حتى يوم التروية،ثم يُحرِم من مكة، ويشرع في أداء مناسك الحج.
ورغم أنّ هناك محظورات للإحرام، إلا أنّ العبد لو وقع في أحدها ناسيا، فلا شيء عليه، تصديقا لقول نبينا: (رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، كذلك لو وقع في أحد تلك المحظورات عمدا لضرورة، فلاشيء عليه، كمن يقصُّ ظفرا كُسِر ويؤلمه، أو ينزع شعرة من رمشه تؤذي عينه، فكلُّها أمورٌ لا تُوجب الدّم؛ رأفة بالعباد، وترسيخا لمفهوم اليسر، شعار الإسلام عامة، والحج خاصة.
أمّا بالنسبة للجماع، فالأمر مختلفٌ إذ إن الوقوع فيه يُفسد الحج، مع إلزام المرء بإتمامه رغم فساده، وقضائه لاحقا، حتى وإن كان حج تطوع، ويُطالَب بذبح بدنة وتوزيعها علي فقراء مكة. 
وعلّةُ ذلك أنَّ الجماع لا عذر لصاحبه، الذي لم يملك إرب نفسه، وانساق وراء رغباته، ولم يكبح جماح غرائزه، فوجب تعزيره واستتابته.
ومن صور السماحة روعةُ الشرع في استلام الحَجر، فرغم أنه ياقوتة من يواقيت الجنة، وقَبّله النبيُّ، ومن بعده عمر، وأُثر عنه قوله صلى الله عليه وسلم: ( إني لأعلم أنك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلُك ما قبلتك). وهو قولّ يُدشّن لمفهوم الاتباع، أحد شروط قبول العمل الستّة، كما قال شيخ الإسلام ابن القيم وهي: «الإخلاص، والاتباع، والنصح ، والإحسان، والإقرار بمنّة الله علي العبد بفعل الطاعة، وأخيرا اعتراف العبد بتقصيره مهما بلغ العمل من كمال» .
فاستلامُ الحجر يكون بتقبيله مباشرة دون مدافعة أو زحام؛ احتراما لقول الحق سبحانه:  {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج }.
أمّا ما نراه من معارك حربية أثناء الطواف، فالدين منها براء، فإن تعذر على المرء تقبيلُ الحجر، يستلمه بيده ويقبلها، فإن عجز عن ذلك، أشار إليه بعدما يلتفت إليه بكليته، فإن عجز، أشار إليه أثناء الطواف دون مزاحمة أو لغط؛ ليعود من ذنوبه كيوم ولدته أمه، كما أخبر الصادق المصدوق .. وللحديث بقية