لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسائل للتواصل بين الأصدقاء أو تبادل الصور والأخبار، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من تفاصيل حياتنا اليومية. نستيقظ على إشعاراتها، ونتابع أحداث العالم من خلالها، ونعبر عن آرائنا عبر صفحاتها، بل وأحيانًا نقيس حضورنا الاجتماعي بمدى تفاعل الآخرين مع ما ننشره.
في بداياتها، بدت السوشيال ميديا وكأنها مساحة واسعة للحرية والتعبير. فتحت الأبواب أمام الجميع ليكون لهم صوت، وأتاحت فرصًا للتعلم والتواصل وتبادل الخبرات والمعرفة. وأصبح بإمكان شخص يعيش في قرية صغيرة أن يتابع أحدث ما يحدث في العالم بضغطة زر، وأن يتواصل مع أشخاص من ثقافات وخبرات مختلفة لم يكن الوصول إليهم ممكنًا من قبل.
لكن مع مرور الوقت، بدأ السؤال يفرض نفسه بقوة: هل ما زالت هذه المنصات مساحة للتعبير فقط، أم أنها تحولت تدريجيًا إلى مساحة للاستنزاف النفسي والعقلي والعاطفي؟
الحقيقة أن المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، وإنما في طريقة استخدامها وتأثيرها المتزايد على حياتنا.
ففي عالم السوشيال ميديا لا يتوقف سيل الأخبار والمعلومات والصور والمقاطع المصورة لحظة واحدة. يجد الإنسان نفسه أمام كم هائل من المحتوى يوميًا، ينتقل من خبر إلى آخر، ومن قضية إلى أخرى، ومن حالة فرح إلى مأساة، ومن نجاح شخص إلى شكوى آخر، حتى أصبح العقل في حالة استقبال مستمر لا تعرف التوقف.
ومع هذا التدفق الهائل للمحتوى، ظهرت ظاهرة المقارنة المستمرة. فالكثيرون لم يعودوا يقارنون أنفسهم بما كانوا عليه بالأمس، بل بما يشاهدونه على الشاشات كل يوم. يرون صور النجاح دون معرفة حجم المعاناة خلفها، ويرون لحظات السعادة دون معرفة ما يسبقها أو يعقبها من تحديات. وهنا يبدأ الشعور بالنقص أو الإحباط أو عدم الرضا عن الحياة، رغم أن ما يُعرض على الشاشات غالبًا لا يمثل الصورة الكاملة للواقع.
كما أصبحت بعض المنصات بيئة خصبة للجدل الدائم والاستقطاب الحاد. فبدلًا من أن تكون مساحة للحوار وتبادل الآراء، تحولت في أحيان كثيرة إلى ساحات للاتهامات والأحكام السريعة والتعليقات القاسية. وأصبح كثير من الناس يردون قبل أن يفكروا، ويحكمون قبل أن يعرفوا، وينقلون الأخبار قبل التحقق منها.
ومن أخطر ما تسببت فيه هذه الحالة أنها استنزفت طاقة الناس النفسية. فالإنسان يتعرض يوميًا لعشرات القضايا والأحداث والمشكلات التي لا يملك القدرة على التعامل معها جميعًا، لكنه يتأثر بها رغم ذلك. فيحمل همومًا ليست له، ويدخل في معارك لا تخصه، وينشغل بقضايا لا يستطيع التأثير فيها، حتى يشعر بالإرهاق والتوتر دون أن يدرك السبب الحقيقي.
ولم يقتصر التأثير على الأفراد فقط، بل امتد إلى العلاقات الاجتماعية نفسها. ففي الوقت الذي أصبح فيه التواصل أسهل من أي وقت مضى، يشكو كثيرون من تراجع التواصل الحقيقي. نجلس معًا في المكان نفسه، لكن كل شخص منشغل بشاشته. نكتب الكثير، لكننا أحيانًا نتحدث أقل. نتابع حياة المئات عبر الإنترنت، بينما قد نهمل سؤال قريب أو صديق يحتاج إلى كلمة أو اهتمام.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار الجوانب الإيجابية الهائلة للسوشيال ميديا. فهي أداة للتعلم، ومنبر لنشر الوعي، ووسيلة لدعم المبادرات المجتمعية، ومساحة للتواصل الإنساني وتبادل الخبرات. وقد ساهمت في إيصال أصوات كثيرة ما كان لها أن تُسمع لولا وجودها.
لذلك فالقضية ليست في وجود السوشيال ميديا أو غيابها، بل في كيفية التعامل معها.
نحن بحاجة إلى أن نستخدمها دون أن تسمح لنا باستخدامنا. أن نستفيد منها دون أن نتحول إلى أسرى لها. أن نختار ما نتابعه بعناية، وأن نمنح عقولنا فترات راحة من الضجيج المستمر، وأن ندرك أن الحياة الحقيقية لا تزال خارج الشاشات، في الأسرة والأصدقاء والعمل والشارع واللحظات البسيطة التي لا تُقاس بعدد الإعجابات أو المشاركات.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام كل واحد منا:
هل أصبحت السوشيال ميديا وسيلة نعبر بها عن أنفسنا ونطوّر بها وعينا؟ أم تحولت، دون أن نشعر، إلى مساحة تستنزف وقتنا وطاقتنا وهدوءنا النفسي؟
الإجابة ربما تختلف من شخص إلى آخر، لكنها تبدأ دائمًا من وعي الإنسان نفسه، ومن قدرته على أن يكون مستخدمًا للتكنولوجيا لا مستخدمًا من قِبلها