بملعقة أمل وطبق كشري سيدة مصرية تصنع مجدا امتد 35 عاما
الحاجة: رزقة عبد الغني السيد". من طبق كشري خلف مدرسة الحرية بقرية طنان قليوب قليوبية إلى قصة رضا تكتب بماء الذهب.
في زقاق ضيق خلف مدرسة الحرية الابتدائية بطنان بمحافظة القليوبية، يقف قدر نحاسي قديم يغلي على نار هادئة منذ 35 عاماً، لا يحمل ذهباً ولا فضة، بل يحمل سراً أثمن: "تسبيكة" عمرها عمر جيل كامل، أطعمت طلاباً وكبرت معهم حتى صاروا آباءً يأتون بأبنائهم لنفس المكان.
إنها الحاجة: رزقة عبد الغني السيد". "بائعة كشري الغلابة"، التي اختزلت فلسفة الحياة كلها في جملة واحدة: "إللي يكسب قلوب الناس يُرزق".
35 سنة.. والقدر لم يبرد.
35 عاماً لم تتوقف فيها النار تحت القدر. 35 عاماً ويداها تعجن الأرز، وتقلي البصل حتى يصير ذهباً مقرمشاً، وتسبك الصلصة بثومها وكمونها وخلها. لم تغير المكان، ولم ترفع السعر إلا قليلاً يرضي الله، ولم تتنازل عن مبدأ واحد: طبق الكشري هنا للغلابة أولاً.
تقدم طبقها الشعبي لتلاميذ مدرسة الحرية الابتدائية بسعر لا يكسر ظهر أب، وكيس تأخذه الأم لابنها بسعر "البركة". لم تكن تجارة.. كانت رسالة.
سر التسبيكة.. ليس في المكونات.
سألتها: "سر حب الناس للكشري بتاعك إيه يا حاجة رزقة؟"
ابتسمت ابتسامة الراضين، ومسحت يدها في مريلتها وقالت كلاماً يوزن بماء العيون:
"مكونات الكشري هي هي في كل مكان.. رز مسلوق، عدس، مكرونة، بصل مقلي، صلصة، خل، ثوم، كمون. لكن إللي بيفرق هو النَفَس والبركة اللي ربنا بيحطها والنظافة، وحب الصنعة، والإخلاص للمهنة، والكلمة الحلوة، وعدم المغالاة في السعر، وجبر خاطر الغلابة. وربنا بيبارك في المكسب القليل".
هنا تكمن المعادلة التي عجز عن فك شفرتها كبرى المطاعم:
بركة + إخلاص = رزق يغني عن الملايين".
حلمها؟ الستر.. وقد نالته
سألتها: "نفسك في إيه يا حاجة رزقة بعد العمر ده كله؟"
رفعت عينيها للسماء وقالت بهدوء الواثق بالله:
"الستر والصحة وراحة البال. الحمد لله ربنا رضاني.. جوزت بناتي من طبق الكشري ده".
جوزت بناتها.. من طبق كشري!
أي شرف هذا؟ وأي بركة هذه التي تحول ثمن طبق كشري إلى جهاز عروسة، وإلى فرحة بيت، وإلى ستر البنات؟
رسالة إلى أهل القليوبية:
لن تخسر شيئاً إذا وقفت دقيقة عند "فرشة" الحاجة: رزقة". خلف مدرسة الحرية الابتدائية. لن تخسر إذا اشتريت منها طبقاً لأجلك أو لعامل بسيط.
لعل الله سخرك لتكون سبباً في رزقها في هذه الأيام العجاف. لعل دعوة منها من قلب أم رضي الله عنها تفتح لك أبواباً مغلقة.
الحاجة: رزقة عبد الغني السيد". ليست مجرد بائعة كشري.. هي مدرسة في الرضا، وأستاذة في جبر الخواطر، وشاهدة على أن البركة لا تُشترى بالمال، بل تُشترى بقلب نظيف ويد لا تعرف الغش.
تحية من القلب للحاجة: رزقة". عنوان الرضا في زمن الجشع، 35 سنة والقدر يغلي.. ولم يغلي قلبها على فقير، تحية إجلال لأيقونة العطاء والبركة التي تمشي على الأرض.
سلام على يد أطعمت الجياع.. وقلب جبر الخواطر.. فاستحقت دعاء السماء.
تحية إجلال لـ "بائعة كشري الغلابة".. تاج على رأس القليوبية لا يصدأ، تحية لفخر القليوبية الست: رزقة".