جلست مندهشا وأنا أشاهد ذلك الفيديو المنتشر لشاب حاصرته مجموعة من الكلاب الضالة.. توقعت أن يفر هاربا كما سيفعل أغلبنا، لكنه فعل شيئا أقرب إلى مشهد سينمائي، أمسك أحد الكلاب من ساقيه وأخذ يدور به في الهواء ليبعد عنه بقية الكلاب التي كانت تهاجمه.
شعرت بقلبي يتسارع وأنا أراقب المشهد من خلف الشاشة، فما بالك بمن عاشه على الأرض؟ كيف يتحول شارع نمشي فيه يوميا إلى ساحة صراع من أجل البقاء.
أغلقت الفيديو وأنا أردد أغنية كثيرا ما نقولها عندما نعجز عن فهم ما نراه: "يا مصر.. بتعمليها إزاي؟".
حركة الدوران التى قام بها الشاب تلخيص مكثف لحالنا مع هذه الأزمة، نحن أيضا ندور في نفس الحلقة المفرغة، نمسك بأطراف المشكلة، وندور بها في فضاء السوشيال ميديا، دون أن نتقدم خطوة واحدة نحو بر الأمان.
وتذكرت صديقا اتصل بي قبل أيام يشكو أن كلبا ضالا هاجمه وعقره فجأة وهو يسير في الشارع، وهو تقريبا نفس السيناريو الذى حدث معى فقد كنت أسير في طريقي المعتاد قبل أشهر حين باغتني كلب من خلفي، لم أشعر بالألم في البداية بقدر ما شعرت بالصدمة: كيف لشارع أمشي فيه كل يوم أن يتحول فجأة إلى مصدر خطر؟ تلك اللحظة بالتحديد جعلتني أفهم خوف كل أب وأم، لكنها أيضا جعلتني أبحث عن إجابة أعمق من مجرد سؤال: هل الحل الوحيد هو 'اقتلوها جميعا'؟.
وتذكرت عشرات الحوادث ومئات الفيديوهات التي ملأت مواقع التواصل خلال الشهور الأخيرة، هذا يصور كلبا يهاجم طفلا، وآخر يصور من يقتل كلبا في الشارع، وثالثا يصور من يطعم الكلاب الضالة.. الجميع يصور الجميع، والجميع غاضب.. كل طرف يمسك هاتفه قبل أن يمسك حجته، وكأن القضية لم تعد الكلاب نفسها، بل الصراع حولها.
لكن بعيدا عن ضجيج السوشيال ميديا، هناك أزمة حقيقية تستحق نقاشا أكثر هدوءا.
الأرقام تفسر جانبا كبيرا من هذا الغضب، فوفق بيانات رسمية، تم تسجيل أكثر من مليون ومائتي ألف حالة عقر أو خدش من الحيوانات خلال تسعة أشهر فقط من عام 2025، وأنا هنا لا أتحدث كراصد من بعيد، بل كأحد هؤلاء الذين اختبروا تلك التجربة المؤلمة وحملوا ندوبها، كما تشير التقديرات إلى أن أعداد الكلاب الضالة في مصر تجاوزت 14 مليون كلب، في بلد يلعب فيه الأطفال في الشوارع يوميا، يبدو الخوف من الظاهرة أمرا مفهوما وليس مبالغة، لكن المشكلة أن الغضب لا يصنع حلا.
ويرى كثير من المدافعين عن الحيوانات أن التسميم أو القتل العشوائي لا يحقق سوى شعور مؤقت بالراحة، لأن الأعداد تعود للارتفاع سريعا، علميا، تعرف هذه الظاهرة باسم "تأثير الفراغ"، حيث تملأ كلاب جديدة المناطق التي أزيلت منها الكلاب القديمة،
فعندما تُباد مجموعة من الكلاب المسالمة استقرت في حي ما واعتادت البشر، لا يصبح الحي أكثر أمانا بالضرورة، بل ينشأ فراغ سرعان ما تملؤه كلاب جديدة تتصارع على مصادر الغذاء والنفوذ، وفى الغالب تكون أكثر شراسة، وهكذا يتحول الحل المؤقت إلى بداية دورة جديدة من المشكلة.
ولهذا تخلت دول عديدة عن سياسات الإبادة بعد سنوات من تطبيقها دون نتائج حقيقية.. والسؤال إذن ليس: مع الإنسان أم مع الكلاب؟، هذا هو الخطأ الذي يقع فيه كثيرون، فالأب الذي يخاف على طفله من العقر ليس عدوا للحيوانات، والشخص الذي يرفض القتل العشوائي ليس عدوا للبشر، لكن مواقع التواصل تفضل المعارك الحادة على الحلول المعقدة، فتتحول القضية إلى مواجهة بين فريقين، بينما تضيع المشكلة نفسها وسط الضجيج.
ولم يسأل أحد كيف تحول الكلب الذي يُعرف تاريخيا بأنه "صديق الإنسان الوفي" وحارس البيوت في الريف والمدن فجأة في الوجدان الجمعي إلى "عدو ومهدد للحياة".
والحقيقة أن الأزمة أكبر من الكلاب وحدها، فهناك غياب للتنسيق بين الجهات المختلفة، ونقص في التمويل اللازم لبرامج التعقيم والإيواء، بالإضافة إلى مشكلة القمامة المكشوفة التي توفر مصدرا دائما للغذاء وتساعد على استمرار التكاثر.
أما الحل المستدام، فلا يكمن في قرار واحد، بل في منظومة متكاملة تبدأ بتحسين إدارة القمامة، ثم تطبيق برامج صيد وتعقيم وتطعيم الكلاب وإعادتها إلى بيئتها بعد السيطرة على تكاثرها، مع عزل الكلاب الخطرة فقط، وإشراك المجتمع المدني في التنفيذ والمتابعة.
وهذا الحل ليس ضربا من المثالية، بل واقع أثبت نجاحه عالميا، فدولة مثل هولندا تحولت إلى أول بلد في العالم خال تماما من كلاب الشوارع دون إبادة، بفضل استراتيجية متكاملة دمجت بين التعقيم المجاني الواسع، وإدارة القمامة، وقوانين صارمة تمنع التخلي عن الحيوانات.. هذا يثبت أن الأزمة لا تُحل بقرار منفرد، بل بمنظومة توازن بين انضباط القانون وكفاءة الإدارة.
في النهاية، تذكرت ذلك الشاب الذي كان يدور بالكلب في الهواء محاولا النجاة من بقية القطيع، وبعد كل هذا الجدل، شعرت أننا نفعل الشيء نفسه تماما، ندور حول الأزمة منذ سنوات، نتبادل الاتهامات، ونكرر الحجج نفسها، بينما تبقى المشكلة واقفة في منتصف الشارع تنتظر حلا.
لا أحد يريد أن يخاف طفل من السير في الشارع، ولا أحد يريد أن يصبح قتل الحيوانات وسيلة معتادة لإدارة الأزمات.. وبين الهدفين لا توجد معركة حقيقية كما يتصور البعض، فالمشكلة ليست أننا لا نعرف الحل، بل أننا ما زلنا نبحث عن انتصار طرف على آخر.
لذلك ربما يكون السؤال الخطأ هو: هل نحن مع البشر أم مع الكلاب؟ فهذه معركة لا وجود لها إلا في عقولنا.. أما السؤال الحقيقي فهو: متى نتوقف عن الدوران في الحلقة نفسها، ونبدأ أخيرا في حل المشكلة؟