في يوم افتتاح الأوكتاجون… مصر تكتب فصلًا جديدًا من تاريخ الدولة الحديثة

د. جيهان فؤاد تكتب

د. جيهان فؤاد تكتب

مساء اليوم، تتابع أنظار المصريين حدثًا وطنيًا بالغ الأهمية مع افتتاح «الأوكتاجون»، مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية بالعاصمة الإدارية الجديدة. وقد يراه البعض مجرد افتتاح لمنشأة جديدة، لكنه في الحقيقة يتجاوز كثيرًا حدود المبنى والموقع والمساحة، ليعبر عن مرحلة كاملة من مراحل بناء الدولة المصرية الحديثة.

فالأمم العظيمة لا تُقاس فقط بما تمتلكه من ثروات أو إمكانات، وإنما بما تمتلكه من رؤية وقدرة على التخطيط للمستقبل. ومن هنا تأتي القيمة الحقيقية للأوكتاجون، ليس باعتباره مقرًا للقيادة فحسب، بل باعتباره تجسيدًا لفلسفة دولة قررت أن تبني قوتها على أسس العلم والتخطيط والمؤسسات.

لقد اعتاد البعض أن ينظر إلى المشروعات القومية من زاوية الأرقام والتكاليف والأحجام، بينما تغيب عنهم الحقيقة الأهم؛ وهي أن قيمة المشروعات الاستراتيجية تُقاس بما تحمله من رسائل وما تعكسه من رؤية وما تؤسسه من مستقبل. والأوكتاجون يمثل أحد أبرز النماذج على ذلك، لأنه يجسد مفهوم الدولة الحديثة التي تدرك حجم مسؤولياتها، وتستعد لمواجهة تحديات الغد قبل أن تتحول إلى أزمات.

وفي تقديري، فإن أهمية هذا الحدث لا تكمن في افتتاح مقر جديد، وإنما في كونه إعلانًا عن اكتمال إحدى الركائز الأساسية للجمهورية الجديدة. فالدول التي تثق في مستقبلها هي وحدها التي تستثمر في بناء مؤسساتها الاستراتيجية بهذا المستوى من التطور والطموح، بينما تنشغل الدول المرتبكة بمعالجة أزمات اللحظة دون أن تملك رؤية لما هو قادم.

ومنذ أن تولى الرئيس عبدالفتاح السيسي مسؤولية قيادة الدولة، كان واضحًا أن مشروعه الوطني لا يقوم على الحلول المؤقتة أو ردود الأفعال، بل على بناء دولة قوية حديثة تمتلك القدرة على حماية أمنها القومي وصيانة مقدراتها وتحقيق التنمية المستدامة لأبنائها. ولهذا رأينا شبكة طرق غير مسبوقة، ومدنًا جديدة، وموانئ حديثة، ومشروعات قومية عملاقة، وعاصمة إدارية جديدة أصبحت رمزًا لمصر التي تتطلع إلى المستقبل.

ويأتي الأوكتاجون ليضيف بعدًا جديدًا لهذا المشروع الوطني الكبير. فهو ليس مجرد منشأة عسكرية، بل رسالة استراتيجية تعكس إدراك الدولة المصرية لطبيعة التحديات التي يشهدها العالم والمنطقة. ففي زمن تتغير فيه مفاهيم القوة وتتطور فيه أدوات إدارة الأزمات والصراعات، كان لابد أن تمتلك مصر منظومة قيادة تواكب هذا التطور وتستجيب لمتطلبات العصر.

ولعل ما يمنح هذا الحدث أهمية استثنائية هو توقيته. فالمنطقة من حولنا تموج بالأزمات والصراعات والتحديات الأمنية والسياسية، بينما تواصل مصر بناء مؤسساتها وتعزيز قدراتها وترسيخ دعائم الاستقرار فيها. وبينما انهارت مؤسسات في دول عديدة، كانت الدولة المصرية تنشئ مؤسسات جديدة أكثر تطورًا وكفاءة، في مشهد يؤكد الفارق بين دولة تخطط للمستقبل وأخرى تكتفي بملاحقة الأزمات.

إن الأوكتاجون ليس رسالة قوة موجهة ضد أحد، وإنما رسالة ثقة في الدولة المصرية وقدرتها على حماية مصالحها الوطنية وصون أمنها القومي. وهو أيضًا رسالة طمأنة لكل مصري بأن هناك دولة تبني وتخطط وتستعد وتعمل وفق رؤية واضحة لا تعرف الارتجال ولا تترك شيئًا للمصادفة.

وسيذكر التاريخ أن هذه المرحلة لم تكن مجرد مرحلة إنشاءات ومبانٍ ومشروعات، بل كانت مشروعًا متكاملًا لإعادة بناء الدولة المصرية الحديثة. وسيبقى الأوكتاجون واحدًا من أبرز رموز هذا المشروع الوطني الكبير، وشاهدًا على مرحلة آمنت فيها القيادة السياسية بأن قوة الدول لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالمؤسسات والرؤية والعمل.

ومساء اليوم، لا تفتتح مصر مبنى جديدًا فحسب، بل تفتح صفحة جديدة من صفحات الدولة الحديثة، وتضيف إلى سجل إنجازاتها الوطنية شاهدًا جديدًا على أن الأوطان العظيمة تُبنى بالإرادة والرؤية والتخطيط، وأن مصر ماضية بثقة نحو مستقبل يليق بتاريخها وحضارتها ومكانتها بين الأمم