اللواء د. رضا فرحات يكتب .. درع الوطن

اللواء د. رضا فرحات

اللواء د. رضا فرحات

بينما كانت المنطقة تنشغل بإدارة أزماتها، كانت مصر تنشغل ببناء مستقبلها، لم تستنزفها حسابات اللحظة، ولم تدفعها اضطرابات الإقليم إلى ردود فعل متعجلة، بل اختارت أن تؤسس لقوة هادئة، قوامها التخطيط والعلم والاستعداد ومن هذا المنطلق جاء افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية، ليعبر عن دولة لا تراهن على حسن النوايا، وإنما على جاهزية مؤسساتها وقدرتها الدائمة على حماية أمنها القومي في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.

واليوم، يخرج مركز القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية إلى النور، ليس باعتباره مجرد منشأة عسكرية حديثة، وإنما تجسيدا لرؤية دولة تدرك أن الأمن القومي لا يدار بردود الأفعال، بل بالتخطيط الاستراتيجي، والاستعداد الدائم، والقدرة على مواجهة كل التحديات، إنه درع للوطن، ورسالة ردع حاسمة لكل من يفكر في المساس بأمن مصر أو الاقتراب من حدودها ومقدراتها.

لقد تغير مفهوم القوة في العالم بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة، ولم تعد القوة العسكرية تقاس بعدد الجنود أو حجم المعدات فقط، بل أصبحت ترتبط بامتلاك منظومات متطورة للقيادة والسيطرة، وبالقدرة على جمع المعلومات وتحليلها، وسرعة اتخاذ القرار، والتنسيق بين مختلف مؤسسات الدولة في اللحظة المناسبة، وأصبحت الحروب الحديثة أكثر تعقيدا، والتهديدات لم تعد تقتصر على مواجهة عسكرية تقليدية، وإنما امتدت إلى الفضاء الإلكتروني، وحروب المعلومات، والإرهاب العابر للحدود، والضغوط الاقتصادية، ومحاولات زعزعة الاستقرار من الداخل ولهذا فإن بناء مركز قيادة استراتيجي بهذا المستوى لا يمثل رفاهية تنظيمية، وإنما ضرورة تفرضها طبيعة العصر، ويعكس إدراكا عميقا بأن الحفاظ على الدولة يبدأ من امتلاك القدرة على إدارة المخاطر بكفاءة واحترافية.

على مدار السنوات الماضية، أثبتت الدولة المصرية أنها لا تنظر إلى الأمن باعتباره ملفا منفصلا عن التنمية، بل تعتبرهما مسارين متوازيين لا يمكن أن ينجح أحدهما دون الآخر، المدن الجديدة، والمشروعات القومية، وشبكات الطرق، والاستثمارات التي تتدفق إلى الاقتصاد المصري، جميعها تحتاج إلى بيئة مستقرة تحميها وتوفر لها الاستمرار، لذلك فإن كل خطوة تتخذها الدولة لتطوير قدراتها الدفاعية هي في حقيقتها استثمار مباشر في التنمية، لأن المستثمر لا يبحث فقط عن الفرص الاقتصادية، وإنما يبحث أيضا عن دولة مستقرة تمتلك مؤسسات قوية قادرة على حماية مكتسباتها، ومن هنا يصبح افتتاح "الأوكتاجون" جزءا من مشروع الدولة المصرية الحديثة، وليس مجرد تطوير لمؤسسة عسكرية، لأنه يوفر المظلة التي تحمي كل ما تحقق من إنجازات على الأرض.

إن المؤسسات الناجحة هي التي تستعد قبل أن تفاجأ، وتضع السيناريوهات المختلفة قبل أن تقع الأزمات، لأن تكلفة الاستعداد دائما أقل بكثير من تكلفة التعامل مع نتائج التقصير وإذا كانت هذه القاعدة تنطبق على مؤسسة أو محافظة، فإنها تصبح أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بإدارة دولة بحجم مصر، تمتلك موقعا جغرافيا بالغ الحساسية، وتواجه محيطا إقليميا بالغ التعقيد ولذلك فإن امتلاك مركز متطور للقيادة الاستراتيجية يعكس عقلية دولة لا تنتظر الخطر حتى تتحرك، بل تبني أدواتها وقدراتها بصورة مستمرة، انطلاقا من قناعة راسخة بأن الأمن عملية متجددة لا تتوقف عند مرحلة معينة.

وربما تكون الرسالة الأهم التي يحملها هذا الإنجاز هي أن مصر لا تبني قوتها من أجل الحرب، وإنما من أجل الحفاظ على السلام وعلمنا التاريخ أن الدول التي تمتلك عناصر القوة الشاملة تكون أكثر قدرة على حماية الاستقرار، وأكثر قدرة على فرض احترام إرادتها والدفاع عن مصالحها الوطنية، والقوة الرشيدة ليست دعوة إلى الصراع، بل هي الضمانة الحقيقية لتجنبه، لأن الردع الناجح يمنع المغامرين من التفكير في تهديد أمن الدولة أو العبث باستقرارها، ولهذا فإن كل تطوير في منظومة القيادة والسيطرة يمثل إضافة حقيقية لقدرة الدولة على حماية شعبها، وصيانة مقدراتها، والتعامل بكفاءة مع مختلف التحديات مهما تغيرت طبيعتها.

إن افتتاح "الأوكتاجون" خطوة جديدة في مسار طويل تبني فيه مصر مؤسساتها وفق رؤية تستوعب تحديات الحاضر وتستعد لما هو قادم، فالدول لا تبنى بالشعارات، وإنما بالمؤسسات القوية، والتخطيط العلمي، والاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا، والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، وما نشهده اليوم يؤكد أن الدولة المصرية اختارت أن يكون أمنها القومي قائما على التخطيط والعلم والكفاءة، وأن تظل قادرة على حماية حدودها، وصون مقدراتها، وتأمين مسيرة التنمية التي تمثل حقا للأجيال القادمة. 

الأوطان التي تريد أن تظل حاضرة في المستقبل لا تنتظر المتغيرات حتى تفرض نفسها، وإنما تصنع أدواتها، وتطور مؤسساتها، وتبني قوتها في هدوء وثقة، وهو ما تعبر عنه مصر اليوم بوضوح من خلال هذا الصرح الاستراتيجي الكبير.