لم يكن أكثر ما آلمني في حريق العمرانية الذي أودى بحياة عائلة كاملة أم و بناتها في عمر الزهور هو حجم المأساة وحدها بل ذلك المشهد الذي تكرر أمام أعيننا. عشرات الأشخاص يقفون أسفل العقار بعضهم يرفع هاتفه لتصوير ألسنة اللهب بينما كان في الداخل من يصارع الموت.
لا أكتب هذه الكلمات لأدين كل من كان في المكان فهناك من قد لا يستطيع التدخل خوفًا على حياته وهناك من يكون دوره إبلاغ قوات الحماية المدنية أو الإسعاف وهذا في حد ذاته عمل مهم. لكن ما يدعو إلى التساؤل هو: لماذا أصبح رد الفعل الأول عند كثيرين هو إخراج الهاتف لا البحث عن وسيلة للمساعدة؟
لقد ورثنا عن آبائنا وأجدادنا أن الشهامة تعني أن تبادر وأن المروءة تعني ألا تترك إنسانًا يستغيث ما دمت قادرًا على مساعدته أو طلب النجدة له. أما اليوم فقد أصبح بعض الناس يتعاملون مع المأساة باعتبارها مشهدًا يستحق التصوير قبل أن يكون موقفًا يستحق التدخل.
إن تصوير الحوادث ليس جريمة في حد ذاته وقد يكون ضروريًا في بعض الأحيان لتوثيق الوقائع أو كشف الحقيقة لكن حين يصبح التصوير بديلًا عن المساعدة فإننا لا نفقد إنسانًا واحدًا فقط، بل نفقد شيئًا من إنسانيتنا جميعًا.
إن المجتمع لا يحتاج إلى مزيد من المصورين بقدر ما يحتاج إلى مزيد من أصحاب الشهامة يحتاج إلى من يمسك بطفاية حريق إن استطاع أو يتصل بالإسعاف أو ينظم الناس أو يفسح الطريق لسيارات الإنقاذ أو يواسي أهل الضحايا فكل هذه صور للمروءة وربما تكون أعظم ألف مرة من مقطع فيديو يحصد ملايين المشاهدات.
إن حادث فيصل يجب ألا يمر كخبر ينتهي بانتهاء نشرات الأخبار بل كجرس إنذار يدعونا إلى مراجعة أنفسنا فالتكنولوجيا نعمة لكنها تتحول إلى نقمة عندما تجعلنا متفرجين على آلام الآخرين.
فلنعد إلى مجتمعنا قيمة طالما افتخر بها المصريون: أن الإنسان قبل الصورة وأن إنقاذ الحياة قبل توثيقها وأن الشهامة لا تزال قادرة على أن تنتصر إذا أردنا لها ذلك.
«عندما أصبح الهاتف أسرع من الشهامة»