«رجل الأقدار»…عندما يلتقي التوثيق بذاكرة الوطن

نجوي العشيري

نجوي العشيري

ليست كل الكتب التي تتناول الشخصيات العامة تترك أثرًا يمتد إلى ما بعد لحظة قراءتها، فبعضها يكتفي بسرد الوقائع، بينما ينجح بعضها الآخر في أن يتحول إلى وثيقة تحفظ للتاريخ ملامح مرحلة كاملة. ومن هذا المنطلق يأتي كتاب «رجل الأقدار.. سيرة قائد.. مسيرة وطن» باعتباره عملًا يتجاوز حدود السيرة التقليدية، ليقدم قراءة توثيقية لواحدة من أهم الفترات في تاريخ الدولة المصرية الحديثة.

وتبرز أهمية هذا الكتاب في أنه لا ينظر إلى الأحداث باعتبارها محطات منفصلة، وإنما يربط بينها في إطار مسيرة وطن واجه تحديات جسامًا، وخاض رحلة بناء وإصلاح امتدت لسنوات، الأمر الذي يجعل الكتاب أقرب إلى سجل يوثق مرحلة أكثر من كونه مجرد سرد لمسيرة شخصية.

وقد جاء تقسيم الكتاب ليعكس هذه الرؤية؛ إذ يبدأ بالحديث عن البدايات، مستعرضًا نشأة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في حي الجمالية، وما أسهمت به تلك البيئة المصرية الأصيلة في تشكيل شخصيته وقيمه. ثم ينتقل إلى مرحلة الإنجازات، موثقًا عددًا من المشروعات القومية التي ارتبطت بمسيرة بناء الجمهورية الجديدة، وفي مقدمتها مشروع قناة السويس الجديدة، ومبادرة «حياة كريمة» التي مثلت نموذجًا غير مسبوق في تطوير الريف المصري والارتقاء بجودة حياة ملايين المواطنين.

ولا يتوقف الكتاب عند مشروعات البنية الأساسية أو التنمية العمرانية، بل يسلط الضوء أيضًا على محور لا يقل أهمية، وهو التمكين، من خلال استعراض ما شهدته السنوات الماضية من توسع في تمكين المرأة، وتعزيز دور ذوي الهمم، والاهتمام بالقوى الناعمة باعتبارها أحد أهم أدوات بناء الوعي وترسيخ الهوية الوطنية.

ورغم أهمية هذه المحاور جميعًا، فإن القيمة الحقيقية للكتاب – في تقديري – لا تكمن فقط فيما يتناوله من موضوعات، وإنما في فلسفة التوثيق التي يقوم عليها. فالأمم التي تدرك قيمة تاريخها تحرص على تسجيله في حينه، لأن الأحداث الكبرى إذا لم توثق في وقتها، أصبحت أكثر عرضة للاجتهاد، وربما للاختزال أو إساءة الفهم.

إن توثيق المراحل الفارقة ليس رفاهية ثقافية، بل هو واجب وطني. فالتاريخ لا يُكتب من أجل الحاضر فقط، وإنما يُكتب ليكون مرجعًا للأجيال القادمة، وليمنح الباحثين والدارسين مادة موثقة تساعدهم على فهم السياقات التي صنعت القرارات والتحولات الكبرى.

ومن هذا المنطلق، فإن الجهد الذي بُذل في إعداد هذا الكتاب يستحق كل التقدير. فجمع المادة العلمية، وتصنيفها، ومراجعتها، وبناء عمل متكامل يجمع بين التوثيق وحسن العرض، ليس مهمة يسيرة، وإنما عمل يحتاج إلى رؤية، وصبر، وإحساس عميق بقيمة الكلمة عندما تتحول إلى وثيقة تحفظ ذاكرة وطن.

لقد نجح القائمون على هذا الإصدار في تقديم عمل يجمع بين السرد والتوثيق، ويضع أمام القارئ صورة متكاملة لمرحلة مهمة من تاريخ مصر الحديث، بأسلوب يتيح له متابعة تطور الأحداث وربطها في إطار واحد، بعيدًا عن التجزئة أو الانتقائية.

ولعل الرسالة الأهم التي يبعث بها هذا الكتاب هي أن بناء الأوطان لا يقتصر على إقامة المشروعات أو تحقيق الإنجازات، وإنما يمتد أيضًا إلى توثيق تلك الإنجازات، وحفظها، وتقديمها للأجيال القادمة في صورة أعمال جادة تحترم عقل القارئ وتدرك قيمة التاريخ.

ويبقى «رجل الأقدار» أكثر من مجرد كتاب عن قائد؛ إنه محاولة لتسجيل مرحلة من تاريخ وطن، والإسهام في حفظ ذاكرته الوطنية، وهي رسالة تستحق التقدير، كما يستحق التقدير كل من آمن بفكرة هذا العمل، وأسهم في جمع مادته، وإعداده، وإخراجه بهذا المستوى، إيمانًا بأن الأمم التي تصون ذاكرتها هي الأقدر على صناعة مستقبلها