المصداقية بين مطرقة التطبيل وسندان التخوين

الكاتب الصحفي محمد مختار

الكاتب الصحفي محمد مختار

في زمنٍ أصبحت فيه الأحكام تُطلق أسرع من الحقائق، لم يعد الصحفي أو الإعلامي يُحاسب على صدق ما يكتب بقدر ما يُصنف وفق هوى المتلقي، فإذا أشاد بإنجازٍ لمسئول، ولو كان إنجازًا حقيقيًا وملموسًا، انهالت عليه الاتهامات بأنه "مطبل" أو "منافق". وإذا انتقد تقصيرًا أو كشف خللًا، حتى وإن استند إلى حقائق ووثائق، وُصف بأنه "مخوّن" أو "يسعى للهدم". وهكذا أصبحت المصداقية تقف وحيدة بين مطرقة التطبيل وسندان التخوين.
لا شك أن هناك من امتهن التمجيد، فلا يرى في المسئول إلا الكمال، ولا يكتب إلا لغة الثناء، وكأن الإنجازات لا يعتريها نقص، ولا الأداء يعرف الخطأ، هذا اللون من الإعلام يفقد مع الوقت ثقة الناس، لأن الجمهور أصبح أكثر وعيًا، ويستطيع أن يفرق بين الإشادة الصادقة والمديح المصطنع.
وفي المقابل، هناك من اتخذ من النقد منهجًا دائمًا، فلا يرى في المشهد إلا السواد، ولا يعترف بإنجاز مهما كان حجمه، يهاجم كل خطوة، ويُسقط كل نجاح، ويبحث عن مواطن الهدم دون أن يلتفت إلى البناء. وهذا أيضًا لا يخدم المجتمع، لأن النقد حين يتحول إلى هدم مستمر يفقد قيمته ورسالته.
أما الصحفي الحقيقي، فهو الذي لا ينتمي إلا للحقيقة. لا يكتب لإرضاء مسئول، ولا لإثارة جمهور، وإنما يكتب بما يمليه عليه ضميره المهني. فإذا وجد إنجازًا يستحق الإشادة، كتب عنه بكل أمانة، حتى وإن اتهمه البعض بالتطبيل. وإذا وجد تقصيرًا أو خطأ، انتقده بموضوعية واحترام، مقدمًا النقد البناء الذي يهدف إلى الإصلاح، حتى وإن وُجهت إليه تهمة التخوين.
فالصحافة ليست وظيفة للتصفيق، كما أنها ليست منصة للهدم. إنها رسالة تقوم على التوازن، وتمنح كل ذي حق حقه، دون زيادة أو نقصان. فالإنجاز يُذكر ويُشكر، والتقصير يُكشف ويُصحح، وبينهما تبقى المصداقية هي البوصلة التي لا ينبغي أن تنحرف.
ولعل أخطر ما نعيشه اليوم هو أن البعض يريد من الصحفي أن يكون تابعًا لرأيه؛ فإن وافقه أصبح مهنيًا، وإن خالفه صار مطبلًا أو خائنًا. بينما الحقيقة لا تعرف هذه التصنيفات، ولا تعترف بها. فالمواقف تُقاس بالأدلة، والكلمات تُوزن بالصدق، والضمير المهني لا يخضع لموجات التصفيق أو حملات التشويه.
إن الصحافة التي نحتاجها ليست تلك التي ترفع المسئول فوق النقد، ولا تلك التي تهدم كل نجاح، بل الصحافة التي تنحاز إلى الوطن قبل الأشخاص، وإلى الحقيقة قبل الانحيازات، وإلى المصلحة العامة قبل أي حسابات أخرى. فحين تكون المصداقية هي الأساس، يصبح الثناء في موضعه قيمة، ويصبح النقد في موضعه واجبًا، وتسقط تلقائيًا تهمتا "التطبيل" و"التخوين" أمام كلمة صادقة لا تخشى إلا أن تبتعد عن الحقيقة.
ولو التزم كل منا بهذا النهج المهني القائم على الصدق والإنصاف، لأصبحت محافظاتنا أكثر تقدمًا، ووطننا أكثر قوة، ولتحولت الصحافة والإعلام إلى شريك حقيقي في البناء والتنمية، يشجع كل مخلص، ويصحح كل خطأ، ويضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار. فالمصداقية ليست مجرد قيمة مهنية، بل هي طريق إلى وطن أفضل.