تختزن جدران المتحف المصري كنوزاً لا تنتهي، تقف اليوم شاهدة على إبداعٍ تجاوز حدود الزمن. ومن بين هذه الكنوز، تستوقفنا مجموعة من الأواني الملونة التي تبدو وكأنها لوحات فنية نابضة بالحياة؛ إذ تتزين بخطوط متموجة دقيقة تلتف حول أجسادها بألوان زاهية، تتباين بين الأزرق الملكي والأبيض والأصفر، لتخلق تأثيراً بصرياً يتراقص مع الضوء، محاكياً في دقة تصميمه أرقى الطرز المعمارية المصرية القديمة.
رمز الفخامة عبر التاريخ
لم تكن هذه الأواني مجرد أدوات للمائدة أو التخزين، بل كانت في زمانها عنواناً للثراء والوجاهة الاجتماعية. فصعوبة ودقة تقنيات تصنيعها جعلت منها مقتنيات فاخرة، لا يقتنيها إلا النخبة ممن يدركون قيمة الإبداع والجمال.
من الفخار إلى الحجر.. رحلة الإتقان
تستعرض "القليوبية الآن" رحلة هذا الفن عبر العصور، كما وثقتها الموسوعة الشاملة للحضارة الفرعونية للمؤلف "جى راشیه":
البدايات: ظهرت أواني الزهور في العصر الحجري الأخير كأشكال فخارية بسيطة، قبل أن يطور المصري القديم مهاراته ببراعة فائقة.
عصر نقادة والعصر الثيني: يمثل هذان العصران ذروة الإتقان في حفر وصقل الأواني من أصعب أنواع الحجارة، مثل الجرانيت، الديوريت، الرخام، والبازلت.
الدولة الحديثة وما بعدها: بدأت ملامح التغيير الفني، حيث تراجع استخدام الحجر لصالح الأوعية الخزفية (المطلية بالميناء) والنحاسية والبرونزية.
تنوع وظيفي يخدم الحياة والمعبد
لقد تعددت أشكال الأواني وفقاً لاستخداماتها، لتشمل تشكيلة واسعة:
للحياة اليومية: كؤوس، أطباق، جرار لحفظ الجعة والنبيذ، أوعية للبن والزيت، وأنابيب صغيرة لحفظ مواد التجميل.
للشعائر المقدسة: أوانٍ معدنية مخصصة للمعابد، أباريق رشيقة لسكب الخمر والماء، وأوعية أسطوانية لحرق البخور والمواد العطرية.
إننا في "القليوبية الآن" نرى في هذه الأواني تجسيداً لروح الفنان المصري القديم، الذي لم يكتفِ بصناعة "الأداة"، بل أصرّ على أن تلامس الجمال في كل تفاصيل حياته. ستظل هذه القطع الملونة شاهداً حياً على حضارة لا تعرف المستحيل، وستبقى زيارة المتحف المصري رحلة لاكتشاف كيف كان الفن يغلف كل تفاصيل حياة الأجداد.

