ليس دفاعا عن أحد

أسامة عز الدين مدير تحرير مجلة أكتوبر

أسامة عز الدين مدير تحرير مجلة أكتوبر

لا يمر علينا وقت طويل تقريبا إلا ونسمع عن نظام جديد للأكل أو للريجيم.. مرة "الصيام المتقطع"، ومرة "الكيتوجينك دايت"، ومرة  نظام "البحر المتوسط"، ومرة "الطيبات" -وفي مقابلها الخبيثات طبعا- ومرة "اللقيمات"، و"السعرات"، ولا ننسى "اللو كارب"، ونظام "الديتوكس"، و"النظام النباتي"، و"حمية البروتين"، و"الكرنفور" -التي تعتمد على اللحوم فقط- وغيرها وغيرها من الأنظمة الغذائية المنتشرة. 

وحتى الآن الأمور عادية؛ لكن الغريب أن كل صيحة غذائية جديدة لا تأتي لتكمل ما قبلها وتضيف له وتحسنه؛ بل لتبدأ من الصفر تقريبا أو ما دونه -وكأننا في الثانوية العامة- المهم أن النجاح لا يكتمل إلا بنسف النظام القديم بالكامل. فيقولون لك كل ما اعتدت عليه من غذاء كان وهما كبيرا -وأزيدك من الشعر بيتا- بل هو السبب الرئيسي لكل الأمراض والسرطنات وكمان حالات العنوسة وحروب الشرق الأوسط؛ لذلك يجب تغييره تماما والقضاء عليه. وبالطبع لا يملك الشخص الذي يريد إنقاص وزنه  -وأنا منهم- خاصة إذا كان يفعل ذلك مضطرا لأسباب صحية، إلا أن يلتزم بأحد هذه الأنظمة حرفيا زي ما بيقول الكتاب. 

وبين هذا وذاك نسمع أن "السكر" مثلا، هو "سُم أبيض"، يجب الابتعاد عنه تماما، ثم نسمع من يقول: "كل منه على قد ما تقدر وبلا حدود ومعاه شوية نوتيلا بالحلاوة الطحينية". ويتحول الحديث عن "الدهون" إلى ساحة جدل أخرى؛ فمرة يُقال لك لا تقترب منها إطلاقا؛ لأنها الطريق المباشر إلى "الكوليسترول وأمراض القلب والشرايين"، ثم نرى نظاما كاملا مثل "الكيتو"، يعتمد عليها بنسبة 70% في إنقاص الوزن، وكأنها الحل السحري الذي لا يجب الاستغناء عنه. وبالطبع لا يخفي على أحد أن هناك ما يشبه "الحرب الباردة"؛ بين من ينتصر للدهون الطبيعية ذات المصادر الحيوانية -والتي وردت إشارة لها في القرآن- ومن يهاجمها لصالح الدهون النباتية أو المصنعة، ومن ثم، أصبح الجسد البشري ساحة اختبار دائمة لا تتوقف فيها النظريات.

حتى الأشياء البسيطة التي كنا نتعامل معها كأحد البديهيات اليومية الثابتة دخلت في هذا الجدل؛ فالخبز الذي عاش الناس معه سنوات طويلة باعتباره أساس المائدة وأهم مصادر الشبع –وبيقسموا به كمان- أصبح فجأة محل نقاش لا ينتهي. مرة يُقال إنه أفضل الأطعمة للرجيم لأنه مشبع ورخيص -وعلى البطاقة- ثم لا يلبث أن يتحول إلى "مجرم حرب"؛ فهو يحتوي على "الجلوتين"، وما أدراك ما الجلوتين!!. وفجأة ياخده منه جنينه، لتظهر أنواع منه ما بين "الحبة الكاملة"، و"نص الحبة" و"ربع الحبة"، وخبز "الشوفان"، والبتنجان وصولا لبدائل أخرى يُروج لها وكأنها اكتشاف جديد يعيد تعريف الطعام من جذوره.

وفي كثير من بيوتنا، يمكن أن نرى المشهد بوضوح. كل فرد يتبع نظاما غذائيا مختلفا يقتنع به تماما، ويدافع عنه، وربما يهاجم ما يراه الآخرون مناسبا لهم. وكأن كل شخص يعيش في عالم غذائي خاص به. فالأب يتبع نظام "الصيام المتقطع"، والأم تميل إلى حساب السعرات الحرارية -ومعاها جدول طبعا- ويختار أحد الأبناء نظام الكيتو، ويفضل آخر نظام البحر المتوسط. وهكذا يصبح البيت الواحد والمائدة الواحدة مجموعة اتجاهات مختلفة يجمعها مكان واحد.

وتبقى المشكلة هنا ليس في تنوع الأفكار والأنظمة، لكن في هذا التضارب والتناقض الذي يضع الإنسان العادي غير المتخصص في حالة دائمة من التردد والارتباك والحيرة والدهشة أحيانا، فلا يعرف ما هو الصحيح على وجه اليقين، ولا أين ينتهي العلم ويبدأ الاجتهاد غير المنضبط.

ومع اتساع دور "السوشيال ميديا"، أصبحت المسألة أكثر تعقيدا، فكل من لديه حساب على وسائل التواصل يقدم رأيه كأنه يملك الحقيقة، دون تنقيح أو مراجعة أو سند علمي واضح. ومع غياب الرقابة الكافية، وبطء الرد العلمي أحيانا من الجهات المختصة، يتسع المجال أمام المعلومات المتناقضة، ويزداد معها التشتت والحيرة.

في هذا المناخ، يصبح الإنسان عرضة للارتباك أكثر من كونه مستفيدا من كثرة هذه الأنظمة؛ وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى ضرر صحي مباشر قد يصل للوفاة في حالات كثيرة، نتيجة اتباع نصائح غير دقيقة وأنظمة غير مناسبة، دون وعي بالفروق الفردية أو الأسس العلمية لكل حالة على حدة. وقد تؤدي التجربة إلى نتائج خطيرة حين يُؤخذ النظام الغذائي، باعتباره "وصفة جاهزة"، تصلح للجميع دون مراعاة اختلاف الحالات والاحتياجات، فيكون الضرر أقرب من الفائدة، رغم حسن النية في البداية.

لا يتوقف الأمر عند الجانب الصحي بل قد يمتد إلى الأسواق وأرزاق الناس أيضا -البيض والدواجن نموذجا- فتتأثر بعض السلع صعودا وهبوطا بناء على موجات الاتجاهات الغذائية التي انتشرت دون دراسة كافية لاحتياجات الناس الحقيقية أو تأثير ذلك على الاستهلاك العام.

وخطورة هذه الحالة لا تتوقف عند حدود الحيرة أو التشتت، وإنما تمتد إلى المعلومة التي تُقدم بلا مرجعية موثوقة، وتتداول سريعا فتتحول إلى "قناعة"، لا تستند إلى علم ثابت، وإنما تعتمد على قوة الانتشار والمريدين لكل نظام وكثرتهم.

وأنا هنا، لا أعترض على "فكرة التطوير"، أو "إعادة النظر في أنظمتنا الغذائية"، ولا على ما قد يُكتشف علميا أنه صحيح، مثل أن بعض مكونات الخبز مثل "الجلوتين"، قد يسبب حساسية لدى فئات معينة، أو أن الدهون الحيوانية أفضل من المصنعة، وغيرها من الاتجاهات الغذائية الحديثة التي تستند إلى أبحاث ودراسات موثوقة. لكن حديثي هنا عن عدم الانضباط والاستسهال في أخذ المعلومات من مصادر قد تكون غير موثوقة أو تعتمد على اجتهاد شخصى. 

وبالطبع كثير منا سمع عن قصة وفاة الشابة البولندية "كارولينا كريزانك" -27 عاما- في جزيرة بالي في إندونيسيا، بعد اتباعها نظاما غذائيا يعرف باسم "الفروتاريان"، يعتمد على تناول الفواكه فقط، وفيه أن أي طعام يتم طهيه ضار بالصحة!.. وغيرها من الأخبار. 

القضية هنا يا سادة لم تعد في تعدد الآراء -فهذا أمر طبيعي ومرغوب- بقدر ما هي غياب المرجعية التي تضبط وتنظم هذا التعدد وتضعه في سياقه العلمي الصحيح.. فحين تغيب الكلمة المتخصصة الواضحة، ويتأخر الصوت العلمي، فنحن نترك المجال للاجتهادات، التي قد تكون حسنة النية أحيانا، لكنها تبقى غير كافية حين تتعلق بصحة الناس وحياتهم اليومية.

وعليه، تصبح الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى إلى دور أكثر وضوحا وحضورا للجهات العلمية والرقابية والغذائية المتخصصة، لإصدار القواعد الصحية العامة وتبسيطها وتوصيلها للناس لتحميهم من هذا التشتت والعبث المستمر في أنظمتهم الغذائية، وتعيد ترتيب هذا الفضاء الواسع من المعلومات، بحيث لا يبقى المواطن وحده في مواجهة هذا الكم من النصائح والتوجهات المتناقضة، دون بوصلة واضحة تساعده على الاختيار، فالمشكلة اليوم لم تعد نقصا في المعلومات، بل صعوبة التمييز بين الصحيح منها والمضلل.