طلب مني الصديق والزميل العزيز محمد ناجي أن أساهم بمقال في تجربة موقع "القليوبية الآن" وكنت أعده في كل مرة بأن ألبي الدعوة حين تسنح الفرصة.
واليوم أجدني أوفي بهذا الوعد ، ولكن أيضًا محبةً في القليوبية التي تضم بين ربوعها كثيرًا ممن نحب ونعتز بهم.
وإذ أشارك بهذه الكلمات، فإنني أتمنى من القلب كل التوفيق والنجاح للزملاء الشباب القائمين على هذه التجربة الجديدة، وأن يكتب الله لها الاستمرار والتميز، وأن تصبح منبرًا مهنيًا جادًا يعبر عن أبناء القليوبية وقضاياهم وآمالهم.
شاءت الظروف أن أزور الإسكندرية يومًا لأداء واجب العزاء في صديق عزيز من أيام الدراسة ، وكما هي عادة الإنسان، ينتقل قلبه في ساعات قليلة بين مشاعر متناقضة ، من الحزن على فراق الأحبة إلى التأمل في نعم الله التي تحيط بنا من كل جانب.
بعد أداء واجب العزاء ، اتجهت إلى زيارة مقامي سيدي أبي العباس المرسي والإمام البوصيري، صاحب البردة التي ما زالت كلماتها تلامس القلوب بعد قرون طويلة من كتابتها ، ثم وجدت نفسي أسير بلا خطة محددة حتى وصلت إلى أحد المقاهي المطلة على كورنيش بحري، وجلست أراقب الناس الطيبين القادمين لقضاء اجازة الصيف بالإسكندرية.
أحيانًا تكون أفضل الحكايات تلك التي لا يتكلم فيها أحد ، كانت الأسر المصرية تتدفق من كل مكان ، وجوه جاءت من الدلتا والصعيد ، تحمل حقائب بسيطة وأحلامًا أبسط .. آباء يحاولون أن يصنعوا لأبنائهم يومًا سعيدًا رغم أعباء الحياة، وأمهات يحملن هموم العام كله ثم يتركونها مؤقتًا على شاطئ البحر ، وأطفال يركضون خلف موجة أو طائرة ورقية وكأن الدنيا خُلقت للفرح فقط.
لفت انتباهي أن معظم هذه الوجوه تحمل آثار سنوات ليست سهلة ، هناك تعب واضح في الملامح، وإرهاق في الأجساد، وحكايات طويلة لا تُروى ، لكن المدهش أن الجميع كان يبحث عن الشيء نفسه ، بضع ساعات من الراحة، وشيئًا من البهجة، وصورة جميلة يحتفظ بها في ذاكرته عندما يعود إلى بيته.
أدركت وقتها أن المواطن المصري البسيط لا يطلب الكثير ، لا يبحث عن رفاهية مبالغ فيها ولا عن حياة استثنائية، بل عن فرصة صغيرة يلتقط فيها أنفاسه ويشعر أن الدنيا ما زالت تمنحه بعض الجمال .
لذلك ستظل الإسكندرية مدينة مختلفة في وجدان المصريين ، فهي لا تستقبل الأغنياء وحدهم ولا تفتح أبوابها لطبقة دون أخرى، بل تمنح الجميع نصيبًا من بحرها وهوائها وذكرياتها الجميلة .. هنا يستطيع الأب أن يصطحب أبناءه إلى الشاطئ بتكلفة محدودة، وتستطيع الأسرة البسيطة أن تقضي يومًا كاملًا من السعادة دون أن تتحمل ما يفوق قدرتها ، وأنا أغادر المكان لم أكن أفكر في البحر بقدر ما كنت أفكر في هؤلاء الناس ، في قدرتهم العجيبة على التمسك بالأمل رغم الصعاب ، وعلى صناعة الفرح من أشياء صغيرة جدًا ، ربما كانت هذه هي القوة الحقيقية للمصريين ، مهما أثقلتهم الأيام يظلون قادرين على الابتسام ، وقادرين على البحث عن لحظة جميلة يعيشونها مع من يحبون.
وفي زمن كثرت فيه الهموم، يبقى الأمن نعمة عظيمة، وتبقى لحظات البساطة الصادقة أغلى بكثير من مظاهر الرفاهية ، فالسعادة ليست دائمًا في امتلاك الكثير، بل في أن تجد متسعًا من الطمأنينة، ومقعدًا يطل على البحر، وأشخاصًا تحبهم يجلسون إلى جوارك.