حادث كفر الشيخ يعيد طرح الحاجة إلى شرطة متخصصة للمحليات وتعزيز الحماية التشريعية لمنفذي القانون
أعادت واقعة التعدي الأخيرة على رئيسة إحدى الوحدات المحلية بمحافظة كفر الشيخ أثناء تنفيذ قرار إزالة، فتح ملف بالغ الأهمية يتعلق بأوضاع رؤساء الوحدات المحلية القروية، الذين يمثلون بحق جنود الصف الأول في مواجهة مخالفات البناء والتعديات على الأراضي الزراعية وأملاك الدولة، وهم يؤدون واجبهم في تطبيق القانون وترسيخ هيبة الدولة على أرض الواقع.
ولعل من عاش تجربة العمل المحلي عن قرب، يدرك حجم الضغوط والمسؤوليات التي يتحملها رئيس الوحدة المحلية، فهو لا يباشر عملاً إدارياً تقليدياً داخل جدران مكتبه، بل يتعامل يومياً مع ملفات متشابكة، ومصالح متعارضة، ومخالفات تتطلب الحسم وسرعة اتخاذ القرار، فضلاً عن الاحتكاك المباشر بالمواطنين والمخالفين على حد سواء.
ورغم أن رئيس الوحدة المحلية لا يمارس عملاً شخصياً أو اجتهاداً فردياً، بل ينفذ قرارات الدولة ويطبق أحكام القانون، فإن الواقع يكشف أن هؤلاء المسؤولين يواجهون تحديات متزايدة، ومواقف تتسم أحياناً بالعنف والرفض ومحاولات فرض الأمر الواقع، وهو ما يجعلهم في مواجهة مباشرة مع المخالفين، دون أن تتوافر دائماً الأدوات الكافية التي تضمن لهم الحماية اللازمة أثناء أداء واجبهم.
إن الاعتداء على مسؤول محلي أثناء تنفيذ قرار إزالة لا يمكن النظر إليه باعتباره حادثاً فردياً أو خلافاً عابراً، وإنما هو اعتداء على هيبة الدولة ذاتها، ومحاولة للنيل من سيادة القانون، لأن من يتعرض للاعتداء لا يمثل نفسه، وإنما يمثل سلطة الدولة وإرادتها في الحفاظ على حقوق المجتمع ومقدراته.
ومن هنا، فإن حادث كفر الشيخ يجب ألا يمر باعتباره مجرد واقعة مؤسفة، بل ينبغي أن يكون دافعاً لإعادة النظر في منظومة الضبط الإداري المحلي، والبحث عن حلول أكثر فاعلية تواكب حجم المسؤوليات التي باتت تتحملها الإدارة المحلية.
ولعل من بين أهم هذه الحلول إنشاء جهاز متخصص أو «شرطة للمحليات»، على غرار شرطة الكهرباء، وشرطة السياحة والآثار، وشرطة النقل والمواصلات، يتولى تنفيذ وضبط المخالفات ذات الطبيعة المحلية، وتأمين حملات الإزالة، والتعامل مع مخالفات البناء والإشغالات والتعديات على أملاك الدولة والأراضي الزراعية، بما يوفر الحماية اللازمة للعاملين بالمحليات، ويحقق سرعة تنفيذ القانون، ويخفف العبء عن الأجهزة الأمنية الأخرى.
ولا يعد هذا الطرح أمراً مستحدثاً، بل يمثل امتداداً طبيعياً لفلسفة التخصص التي انتهجتها الدولة المصرية في العديد من قطاعات إنفاذ القانون، والتي أثبتت نجاحها في تحقيق قدر أكبر من الكفاءة والفاعلية.
وتكتسب هذه القضية أهمية استثنائية في ظل ما يشهده مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد من اهتمام وترقب، باعتباره أحد أهم التشريعات المنتظرة لاستكمال البناء المؤسسي للجمهورية الجديدة، وتنفيذاً للاستحقاقات الدستورية الواردة بالمادة (176) من الدستور المصري، والتي أكدت التزام الدولة بدعم اللامركزية الإدارية والمالية والاقتصادية، وتمكين الوحدات المحلية من الاضطلاع بمسؤولياتها التنموية والخدمية.
ومن ثم، فإن القانون الجديد لا ينبغي أن يقتصر على تنظيم المجالس المحلية واختصاصاتها، بل يجب أن يؤسس لفلسفة جديدة للإدارة المحلية، تقوم على التمكين الحقيقي للوحدات المحلية، وتعزيز أدواتها التنفيذية، وتوفير الحماية القانونية والمؤسسية للعاملين بها، باعتبارهم شركاء رئيسيين في تحقيق التنمية المستدامة.
كما يمثل القانون المرتقب فرصة حقيقية لإعادة صياغة منظومة الضبط الإداري المحلي، واستحداث آليات أكثر فاعلية لمواجهة المخالفات، ووضع إطار تشريعي واضح ينظم العلاقة بين الإدارة المحلية والجهات المعنية بإنفاذ القانون، بما يضمن سرعة الاستجابة، ويحقق الردع، ويعزز هيبة الدولة.
ولم تعد الإدارة المحلية مجرد جهاز خدمي يقتصر دوره على النظافة والإنارة ورصف الطرق، بل أصبحت أحد أهم أدوات الدولة في تنفيذ خطط التنمية، والحفاظ على الرقعة الزراعية، والتصدي للبناء العشوائي، وحماية أملاك الدولة، وتحقيق رضا المواطنين، الأمر الذي يجعلها أحد روافد الأمن القومي المصري.
وفي ظل ما تشهده الدولة المصرية من مشروعات قومية كبرى، وجهود متواصلة لبناء الجمهورية الجديدة، يصبح من الضروري أن تحظى الإدارة المحلية بما تستحقه من اهتمام، وأن يحصل العاملون بها، وفي مقدمتهم رؤساء القرى، على الدعم والحماية التي تمكنهم من أداء رسالتهم دون خوف أو تردد.
فالدولة القوية لا تقاس فقط بقدرتها على إصدار القوانين، وإنما بقدرتها على حماية من ينفذونها.
وإذا كانت هيبة الدولة تبدأ من سيادة القانون، فإن سيادة القانون تبدأ من حماية جنود الصف الأول الذين يحملون على عاتقهم مسؤولية تطبيقه.
ولعل قانون الإدارة المحلية الجديد يمثل فرصة تاريخية لإعادة الاعتبار للإدارة المحلية، وترسيخ مفهوم أن حماية منفذي القانون لا تقل أهمية عن إصدار القانون نفسه، وأن بناء الجمهورية الجديدة لا يكتمل إلا بإدارة محلية قوية وقادرة، تكون سنداً للدولة وشريكاً أساسياً في تحقيق التنمية.
فهيبة الدولة لا تُفرض بالقوة وحدها، وإنما تُبنى عندما يشعر من يطبق القانون أن الدولة تقف خلفه، تحميه، وتسانده، وتمنحه من الأدوات ما يجعله قادراً على أداء رسالته في خدمة الوطن والمواطن