هدير.. مأساة تبحث عن إجابة!!

الكاتب الصحفي محمد مختار

الكاتب الصحفي محمد مختار

رحلت هدير..بائعة الشاي الشابة، وبقيت وراءها أسئلة مؤلمة تتجاوز لحظة الحادث نفسها. فبين مشهد سيارة يقودها طفل لم يبلغ السن القانونية للقيادة، وفتاة خرجت تسعى وراء لقمة العيش، تشكلت مأساة هزت الرأي العام وأعادت فتح ملفات المسئولية والرقابة والظروف الاجتماعية التي تصنع مثل هذه النهايات المؤلمة.
القانون سيحدد المسئولية الجنائية، والتحقيقات وحدها صاحبة الكلمة الفصل فيما جرى. لكن بعيدًا عن ساحات القضاء، يبقى السؤال مطروحًا: كيف وصل طفل إلى مقعد القيادة؟ ومن سمح أو تساهل في أن تكون سيارة بين يدي قاصر لا يحمل رخصة ولا يملك الخبرة الكافية للتعامل مع مخاطر الطريق؟
إن الحادث لا يكشف فقط عن خطأ وقع في لحظة، بل عن سلسلة من الأخطاء التي سبقته. فقيادة الأطفال للسيارات لم تعد مشاهد نادرة كما ينبغي أن تكون، بل أصبحت ظاهرة يراها البعض عادية حتى تقع الكارثة، وحينها يبدأ الجميع في البحث عن المسىول.
وفي الجانب الآخر من القصة، تكشف حياة هدير جانبًا لا يقل ألمًا. فتاة في مقتبل العمر خرجت تعمل وتكافح من أجل مستقبل أفضل. وإذا صحت الروايات التي تحدثت عن أن بعض أفراد أسرتها لم يكونوا يعلمون طبيعة عملها أو حجم ما تتحمله يوميًا، فإن ذلك يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول الضغوط التي تدفع كثيرًا من الشباب والفتيات إلى تحمل أعباء الحياة في صمت، بعيدًا عن أعين أقرب الناس إليهم.
ولا يعني ذلك تحميل الأسرة مسىولية ما حدث، كما لا يعني تحميل الضحية أي جزء من المأساة. فهدير لم تكن سوى فتاة تسعى إلى كسب رزقها بشرف، لكنها وجدت نفسها في المكان الخطأ وفي التوقيت الخطأ. غير أن المأساة تكشف أن هناك مسئوليات مجتمعية متعددة يجب التوقف أمامها؛ رقابة غائبة، واستهانة بخطورة قيادة القُصّر، وضغوط اقتصادية تدفع شبابًا كثيرين إلى خوض معارك الحياة وحدهم.
وربما تكون المشكلة الحقيقية أن المجتمع اعتاد رؤية هذه المشاهد حتى فقد إحساسه بخطورتها. طفل يقود سيارة؟ مشهد متكرر. شابة تعمل لساعات طويلة لمواجهة أعباء الحياة؟ مشهد متكرر. لكن حين تجتمع هذه التفاصيل الصغيرة في لحظة واحدة، تكون النتيجة مأساة يدفع ثمنها الأبرياء.
رحلت هدير، وبقيت أسرتها تبكي ابنة خرجت تبحث عن رزقها فعادت جثمانًا. وستحدد التحقيقات والقضاء المسئولية القانونية، لكن يبقى أمام المجتمع سؤال أكبر من أوراق القضايا وأحكام المحاكم:
هل كانت هدير ضحية طفل جلس خلف المقود قبل أوانه؟ أم ضحية أسرة لم تدرك حجم ما كانت تتحمله؟ أم ضحية ظروف دفعتها إلى العمل في صمت؟ أم ضحية مجتمع لا يتحرك إلا بعد وقوع المأساة؟
ربما تحمل الأيام إجابات بعض هذه الأسئلة، لكن المؤكد أن الضحية لن تعود.
هدير ضحية الحادث.. لكن من المتهم الحقيقي: طفل خلف المقود أم مجتمع اكتشف المأساة بعد فوات الأوان؟