"قتلها الإهمال".. مرافعة نارية تهز قاعة محكمة شبرا الخيمة في قضية الطفلة تيا

المستشار مصطفى محمود، وكيل نيابة قسم ثان شبرا الخيمة

المستشار مصطفى محمود، وكيل نيابة قسم ثان شبرا الخيمة

أحمد عواد

لم تكن مرافعة عادية، بل كانت صرخة قانونية مؤثرة هزت قاعة المحكمة وأعادت كل من حضر إلى تفاصيل اللحظات الأخيرة في حياة طفلة لم تتجاوز الرابعة من عمرها. هكذا بدت مرافعة المستشار مصطفى محمود، وكيل نيابة قسم ثان شبرا الخيمة، في أولى جلسات محاكمة المتهمات في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«واقعة سقوط الطفلة تيا»، حيث استعرض ممثل النيابة تفاصيل الواقعة بالكامل، مؤكدًا أن عنوان القضية الحقيقي هو "الأمانة"، وأن ملامحها الفعلية تتجسد في الإهمال والتفريط والإخلال بواجب الرعاية.

"خرجت إلى المدرسة ولم تعد".. بداية مأساة لم تكن في الحسبان

استهل ممثل النيابة مرافعته بمشهد إنساني مؤثر، حين أشار إلى أن الطفلة تيا أحمد فؤاد استيقظت صباح يوم 15 يونيو 2026 وخرجت إلى مدرستها حاملة معها أحلام طفولتها البريئة وآمال أسرتها، دون أن تدرك أن هذا اليوم سيكون الأخير في حياتها. وشدد المستشار مصطفى محمود على أن ما جرى لم يكن قضاءً منفصلًا عن أسبابه، بل نتيجة مباشرة لسلسلة متراكمة من الإهمال الذي بدأ قبل لحظة السقوط بوقت طويل.

"قتلها الإهمال".. عبارة تلخص جوهر القضية

في واحدة من أبرز لحظات المرافعة، أكد وكيل نيابة قسم ثان شبرا الخيمة أن الضحية لم تقتلها يد تحمل سلاحًا، بل قتلها الإهمال بكل ما تحمله الكلمة من معنى، موضحًا أن الطفلة تُركت دون أي رقابة أو متابعة لمدة قاربت 45 دقيقة كاملة داخل مبنى المدرسة، تجولت خلالها وحيدة بين الطوابق حتى وصلت إلى الطابق السادس بمفردها، دون أن يلاحظ أحد غيابها.

بداية سلسلة الإهمال.. تراخيص غائبة وأطفال بلا حماية

حمّلت النيابة في مرافعتها صاحبتي المدرسة المسؤولية الأولى عن بدء سلسلة الإهمال هذه، مشيرة إلى أنهما نظمتا نشاطًا صيفيًا دون الحصول على التراخيص القانونية اللازمة، واستقبلتا أطفالًا داخل منشأة متعددة الطوابق دون اتخاذ أي إجراءات حماية كافية أو تأمين مصادر الخطر المحتملة.

كما أكدت المرافعة أن مشرفتي مرحلة رياض الأطفال كانتا مكلفتين بمتابعة المدرسات ومراقبة تنفيذ إجراءات الرعاية، إلا أن نظام المتابعة هذا غاب تمامًا، وهو ما سمح بانفراد طفلة في الرابعة من عمرها داخل مبنى المدرسة دون أن تلتفت إليها عين.

المدرسات ومشرفة الدور.. خط الدفاع الأول الذي غاب عن مهمته

وفي مشهد يصعب تجاوزه، رأت النيابة أن المدرسات ومشرفة الدور كن الحلقة الأقرب إلى الطفلة، خاصة أن تيا كانت ضمن مجموعة صغيرة لا تضم سوى ثمانية أطفال فقط، ورغم هذا العدد المحدود الذي يفترض أن يسهل المتابعة، لم يتم اكتشاف غيابها إلا بعد وقوع الكارثة بالفعل، في ما اعتبرته النيابة إخلالًا واضحًا بواجب العد والمتابعة والافتقاد الفوري لأي طفل يختفي عن الأنظار.

45 دقيقة غيّرت كل شيء.. رحلة الطفلة الأخيرة

كشفت النيابة أن الطفلة ظلت تتجول بمفردها لأكثر من 45 دقيقة داخل المدرسة، حتى وصلت إلى الطابق السادس، حيث وجدت مقعدًا خشبيًا ملاصقًا للسور، فصعدت عليه، ربما في محاولة للاستغاثة أو البحث عن أحد يرشدها إلى طريق العودة، قبل أن يختل توازنها وتسقط من علو شاهق في لحظة غيّرت مصير أسرة بأكملها.

وأوضحت النيابة أن تفريغ كاميرات المراقبة وثّق هذه الرحلة المأساوية بالكامل، منذ لحظة انفصال تيا عن مجموعتها وحتى وصولها إلى الطابق السادس، دون أن تتدخل أي من المسؤولات عن رعايتها لإعادتها أو حتى ملاحظة غيابها.

التقرير الطبي يحسم الأمر.. وكاميرات لا تخون التفاصيل

استند المستشار مصطفى محمود في مرافعته إلى التقرير الطبي الذي أثبت إصابة الطفلة بكسور في الجمجمة ونزيف في المخ نتيجة السقوط، وهي الإصابات التي كانت السبب المباشر في وفاتها بعد ساعات قليلة من وقوع الحادث.

كما أشارت معاينة النيابة إلى وجود المقعد الخشبي الملاصق لسور الطابق العلوي، والذي مكّن طفلة صغيرة من تسلقه والوصول إلى حافة السور بسهولة، معتبرة ذلك دليلًا إضافيًا قاطعًا على غياب إجراءات السلامة الأساسية داخل المدرسة. وأكد تقرير الإدارة التعليمية أن النشاط الصيفي الذي كانت تحضره تيا لم يكن حاصلًا على التراخيص اللازمة من الأساس، وأن تواجد الأطفال في ذلك التوقيت جاء ضمن نشاط غير مصرح به رسميًا.

أربعة مقاطع فيديو.. شهود صامتة على المأساة

في لحظة مؤثرة من الجلسة، عرضت النيابة أربعة مقاطع مصورة أمام المحكمة، وثّق أولها الطفلة وهي تلعب مع زملائها قبل بداية الواقعة بلحظات، بينما رصد الثاني لحظة انفصالها عن المجموعة وصعودها بمفردها إلى الطابق الثاني. أما المقطع الثالث، فقد أظهر وصولها إلى الطابق السادس وصعودها على المقعد الخشبي قبل لحظة السقوط مباشرة. وفي مراعاة لمشاعر الأسرة المنهكة، طلبت النيابة عدم عرض المقطع الرابع الذي يوثق لحظة السقوط نفسها.

"أرواح الأطفال أمانة".. النيابة تطالب بأقصى عقوبة

وفي ختام مرافعتها المؤثرة، طالبت النيابة العامة بتوقيع أقصى عقوبة على المتهمات الثماني، مؤكدة أن أرواح الأطفال أمانة لا تحتمل أي تهاون، وأن ما جرى يمثل نموذجًا صارخًا للإهمال الجسيم الذي انتهى بفقدان طفلة كانت لا تزال في بداية رحلتها مع الحياة.

تأجيل الجلسة.. والمتهمات رهن الحبس

وفي ضوء هذه المرافعة، قررت محكمة جنح شبرا الخيمة، الدائرة السابعة، تأجيل استكمال نظر القضية إلى جلسة يوم 28 من الشهر الجاري، لاستكمال سماع المرافعات والطلبات، مع استمرار حبس المتهمات على ذمة القضية لحين انعقاد الجلسة المقبلة.

يُذكر أن المستشار محمد الجندي، المحامي العام لنيابات جنوب بنها، هو من أصدر قرار إحالة المتهمات الثماني إلى المحاكمة العاجلة في هذه الواقعة التي هزت محافظة القليوبية بأكملها، وأثارت تساؤلات واسعة حول مدى التزام المدارس الخاصة بأبسط معايير السلامة التي يفترض أن تحمي كل طفل يدخل من بوابتها.