على امتداد سنوات طويلة حملتني رحلاتي إلى كثير من بقاع مصر النائية من جبال سيناء الشامخة إلى أودية الصحراء الشرقية وسلاسل جبال البحر الأحمر الممتدة حتى حدود السودان. هناك .. بعيدًا عن ضجيج المدن وصخب الحياة اليومية، يكتشف الإنسان وجهًا آخر لمصر، وجهًا مهيبًا تتجسد فيه عظمة الطبيعة وعبقرية المكان، من بين الرحلات التي لا تزال محفورة في الذاكرة ومرتبطة بأحدث هذه الأيام ، رحلة قمت بها في شتاء عام 2015 برفقة عدد من الأصدقاء إلى منطقة سيدي" أبو الحسن الشاذلي" بوادي حميثرة.. قضينا أسبوعًا كاملًا وسط الصحراء، نستمتع بسكونها المهيب وصفائها النادر وروحانية المكان بجوار هذا القطب الكبير ، والتنقل بسيارة نصف نقل في قلب الصحراء الشرقية لصديق من قبيلة "البشارية" في تجربة مختلفة تمامًا عن الإجازات التقليدية على الشواطئ والمنتجعات الساحلية .
من عادتي في كل رحلة كنت أدون الملاحظات وأوثق المشاهد بالصور ، بعض هذه الذكريات يرى النور من خلال مقالات او تحقيقات استقصائية ، وبعضها أحتفظ به لنفسي، لأنها تمثل جزءًا من مخزون إنساني وشخصي خاص .
في تلك الرحلة تعرفت عن قرب على فئة من الرجال يطلق عليهم أهل المنطقة اسم "الدهابة"، وهم الباحثون عن الذهب في بطون الجبال وأعماق الوديان ، رجال ارتبطت حياتهم بالمعدن النفيس، حتى أصبحت مهنة التنقيب عن الذهب جزءًا من ثقافتهم اليومية وموروثًا تتناقله الأجيال.
يمتلك هؤلاء معرفة استثنائية بتضاريس الصحراء الشرقية ومسالكها الوعرة، ويعرفون أسرار الجبال ومخابئ الصخور وعروق الذهب .
ينتمي بعض هؤلاء إلى القبائل التي استوطنت المنطقة منذ عقود طويلة، و يأتي آخرون من المناطق الحدودية المجاورة وتحديدا من السودان ، مدفوعين بالحلم ذاته للبحث عن الذهب المختبئ في قلب الصحراء المصرية.
خلال السنوات التي أعقبت أحداث يناير 2011 ، شهدت مناطق التنقيب نشاطًا متزايدًا وغير مسبوق، الأمر الذي أثار كثيرًا من التساؤلات حول مستقبل هذه الثروة الاستراتيجية من الذهب التي هي ملك الأجيال المقبلة ، فالصحراء الشرقية ليست مجرد مساحة جغرافية شاسعة، بل هي أحد أهم خزائن الذهب في مصر، هذه الأرض استخرج منها الفراعنة المعدن النفيس قبل آلاف السنين، ثم توالت عليها مراحل الاستغلال المختلفة وصولًا إلى منجم السكري، أحد أكبر مشروعات التعدين في الصحراء الشرقية.
لكن القضية لم تعد تقتصر على التنقيب العشوائي أو استنزاف الثروات الطبيعية من بعض الافراد والجماعات لمصالحهم الشخصية فحسب، بل تجاوزت ذلك إلى تحديات أمنية تفرض نفسها بقوة على الحدود الجنوبية، مع محاولات تسلل تقوم بها عناصر خارجة على القانون، تمارس أنشطة التهريب والتنقيب غير المشروع، وتسعى إلى استغلال الطبيعة الوعرة للمناطق الحدودية لتحقيق أهداف غير مشروعة.
مصر دولة عُرفت عبر تاريخها بالحكمة وضبط النفس، كانت ولا تزال حريصة على علاقات الأخوة والجوار مع الأشقاء، وفي مقدمتهم السودان الشقيق غير أن الحفاظ على هذه العلاقات لا يعني أبدًا التهاون في حماية الأمن القومي المصري وسرقة المعدن النفيس من اراضينا أو السماح بالعبث بالحدود الجنوبية للوطن.
حدودنا علي المحاور الأربعة ليست مجرد خطوط مرسومة على الخرائط، بل هي عنوان للسيادة الوطنية، وخلفها تقف مؤسسات قوية ويقظة لا تعرف التهاون عندما يتعلق الأمر بأمن البلاد واستقرارها.
ومن هنا أقول إن المرحلة الراهنة تفرض معادلة واضحة لا تحتمل التأويل.. "من يخترق يحترق" ، وهي ليست عبارة للتهديد بقدر ما هي تأكيد على قدرة الدولة المصرية وإرادتها الراسخة في حماية حدودها وصون مقدراتها والتصدي بحسم لكل من يحاول المساس بأمنها أو اختبار قوة ردعها.
إن ما يقدمه رجال القوات المسلحة والشرطة المصرية على الحدود الجنوبية، وظهر ذلك بوضوح في بيان المتحدث العسكري منذ قليل ، يمثل نموذجًا مشرفًا للفداء والانضباط واليقظة ، هؤلاء الرجال يؤدون واجبهم الوطني في ظروف بالغة الصعوبة، دفاعًا عن الأرض وحماية للشعب وصونًا لمقدرات الدولة.
أما السودان فسيظل دائمًا في القلب، وسيبقى شعبا وادي النيل شعبًا واحدًا تجمعه روابط التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك ، ولن تنجح تصرفات قلة محدودة أو عناصر خارجة على القانون في النيل من تلك العلاقة الراسخة التي صمدت أمام تقلبات الزمن وتحديات السياسة.
ستبقى مصر قوية بجيشها وشرطتها وشعبها ومؤسساتها ورئيسها الرئيس عبدالفتاح السيسى، وستظل حدودها عصية على كل من تسول له نفسه المساس بها، لأن الأوطان العظيمة لا تحميها الكلمات ، بل تحميها الإرادة واليقظة والرجال المخلصين من ابناء هذا الوطن.
حدودنا.. من يخترق يحترق!