في إطار حرص الدولة المصرية على رعاية الفئات الأكثر احتياجاً، وترسيخاً لقيم التكافل الاجتماعي تحت مظلة الرقابة والمعايير الصحية الصارمة، تدرس "هيئة الدواء المصرية" حالياً خطوة رائدة تتمثل في استحداث إطار تنظيمي جديد يتيح للجمعيات والمؤسسات الأهلية الحصول على ترخيص لإنشاء "صيدليات تعاونية". وتستهدف هذه المبادرة تقنين أوضاع الجهات التي تستقبل تبرعات الأدوية، وإعادة توجيهها بطرق آمنة إلى المرضى غير القادرين، تحت إشراف كامل من الأجهزة الرقابية المختصة لضمان صحة المواطن وسلامته.
وتسعى الهيئة من خلال هذه الدراسة الجارية إلى وضع آلية قانونية منضبطة ومحددة للتعامل مع التبرعات الدوائية، بما يضمن الحفاظ التام على جودة المستحضرات وصلاحيتها، ويمنع تداولها خارج المسار الرقابي الشرعي للدولة.
وتتكامل هذه الخطوة التنموية مع رسالة العمل الأهلي في مصر، حيث ترتكز رؤية المشروع المقترح على أبعاد تنظيمية وخدمية وصحية هامة نورد تفاصيلها فيما يلي:
خدمة إنسانية بلا أهداف تجارية
تؤكد المصادر المطلعة أن الصيدليات التعاونية المقترحة لن تمارس أي نشاط تجاري أو بيع لأي أصناف دوائية للجمهور؛ إذ يقتصر دورها الإنساني والخدمي والاجتماعي بشكل كامل على استقبال الأدوية المتبرع بها، وفحصها فحصاً دقيقاً، ومن ثم صرفها بالمجان للمستحقين من المرضى غير القادرين والسر المشمولة بالرعاية، وفق آليات ومعايير استحقاق سيتم تحديدها لاحقاً بالتنسيق مع الجهات المعنية.
اشتراطات فنية لضمان سلامة المستحضرات
حرصاً على كفاءة الأدوية وصلاحيتها للاستخدام، تدرس الهيئة إلزام هذه الصيدليات باشتراطات فنية صارمة تشمل:
تجهيز مقر مستقل :تخصيص مساحة مستقلة ومجهزة داخل الجمعية أو المؤسسة الأهلية تتوفر فيها كافة معايير الصيدليات العامة.
التخزين الآمن: تطبيق نظم التخزين السليم المعتمدة لضمان جودة الأدوية، وتوفير ثلاجات متطورة مطابقة للاشتراطات الفنية لحفظ الأصناف الحساسة لدرجات الحرارة.
قوائم فلترة المقبول: وضع قائمة دقيقة بالمعايير الحاكمة لنوعية الأدوية المقبولة ضمن التبرعات، وتحديد آليات واضحة لفحصها مع استبعاد أي صنف لا يطابق المواصفات الفنية أو قد يمثل خطورة على المرضى.
شراكة وثيقة بين "هيئة الدواء" و"التضامن الاجتماعي"
تأسيساً على أهمية العمل المشترك، سيتم صياغة الاشتراطات التنفيذية والضوابط المنظمة لهذا النشاط بالتعاون والتنسيق التام بين هيئة الدواء المصرية ووزارة التضامن الاجتماعي، بما يحقق التوازن المنشود بين دفع مبادرات المجتمع المدني من جهة، والالتزام بالقوانين الدوائية الصارمة من جهة أخرى. ويبرز من بين هذه الضوابط إلزام كل صيدلية تعاونية بوجود صيدلي مرخص له بمزاولة المهنة ليتولى المسؤولية الفنية والإدارية الكاملة عن الاستلام والحفظ والصرف، تماشياً مع قانون مزاولة مهنة الصيدلة.
أبعاد القرار وخلفياته التنظيمية
تأتي هذه الخطوة في أعقاب الإجراءات الحاسمة التي اتخذتها هيئة الدواء مؤخراً بحق مركز "الدواء للجميع" (والتي شملت غلق وتشميع المقر وتحرير محاضر للمخالفين نتيجة تداول أدوية خارج الأطر الرقابية)، حيث سارعت الهيئة إلى دراسة هذا النموذج المبتكر (الصيدليات التعاونية) ليكون بديلاً مرخصاً وآمناً يضمن استمرار وتدفق المبادرات الخيرية النبيلة لتوفير الدواء لغير القادرين، ولكن تحت مظلة القانون ورقابة الدولة التي تحمي صحة أبنائها وتمنع تسلل أي مستحضرات مجهولة المصدر.
ومن المنتظر الانتهاء من بلورة هذا التصور التنظيمي بكافة أبعاده واشتراطاته الفنية قريباً، تمهيداً لعرضه على الجهات المعنية للاعتماد وبدء التطبيق الفعلي.