لم يكن الدرب الذي سلكه عبقري الكوميديا إسماعيل ياسين ليعتلي عرش البسمة في تاريخ الفن العربي معبداً بالورود أو سهلاً ميسراً؛ بل شُقت ملامحه من وسط ركام المعاناة، والظروف الإنسانية القاسية التي عاشها في طفولته، لتصنع منه بطلاً لقصة كفاح ملهمة حفرت تفاصيلها في وجدان ملايين العشاق لسينما الزمن الجميل.
وفي اعتراف نادر وصادق بأحد لقاءاته الإذاعية، باح النجم الراحل بأسرار طفولته المريرة التي قضى جانباً كبيراً منها في منزل جدته لأمه. وتحدث عن قسوتها المفرطة تجاهه؛ إذ كانت تحمل والده مسؤولية وفاة ابنتها (والدة إسماعيل)، فكان الصبي الصغير يدفع ثمن هذا الاعتقاد يومياً عبر معاملة جافة وضرب مبرح شبه يومي.
وربط الراحل بين تلك القسوة وتفاصيل إنسانية بسيطة ومؤثرة تظهر ملامح الحرمان والطفولة المكلومة، ومن أبرزها:
حكاية "طبق الفول" والضرب اليومي
روى نجم الكوميديا الأبرز كيف كانت جدته ترسله يومياً لشراء الفول من أجل وجبة الإفطار، لكن رائحة الفول الساخن والشهي كانت تداعب جوعه الطفولي، فلا يقوى على مقاومتها؛ فيلتهمه في طريق عودته إلى المنزل. وبمجرد وصوله خالياً الوفاض، كانت تنهال عليه بالضرب المبرح دون شفقة، ليتحول هذا الطبق البسيط إلى أحد الجروح العميقة في ذاكرته.
الستة جنيهات التي غيرت مجرى التاريخ
ورغم هذا العذاب اليومي، ظل يراوده حلم الفن والموسيقى، وبعدما همس مقربون في أذنه بأن حلاوة صوته تؤهله لدخول معهد الموسيقى بالقاهرة، اصطدم بجدار الفقر؛ إذ لم يكن يملك مليمًا واحداً لتأمين كلفة السفر والعيش.
وفي لحظة يأس وقرار مصيري غيّر مسار حياته، عثر إسماعيل ياسين بالصدفة على ستة جنيهات كانت جدته تخبئها بعناية فائقة داخل مرتبة سريرها، فلم يتردد في أخذها والهروب فوراً متوجهاً إلى قطار القاهرة، ليرسم بهذه الثروة البسيطة أولى خطوات كفاحه الشاق في العاصمة، والذي انتهى بتتويجه ملكاً للكوميديا بلا منازع.
إن حكاية إسماعيل ياسين وطبق الفول وتلك الستة جنيهات هي تجسيد حي لقدرة الإنسان المصري الأصيل على صهر الألم والوجع ليخرج منه ذهباً خالصاً يسعد به الملايين، مخلداً اسمه بأحرف من نور كأحد الرموز الفنية التي حمت وعي الأمة ورسمت الضحكة على شفاه أجيال متعاقبة.