من زيِّ المدرسة… إلى زيِّ المسؤولية

نجوي العشيري

نجوي العشيري

منذ أول يوم دخل فيه المدرسة، كان أول ما تعلّمه أن يرتدي زيًا موحدًا. لم يكن يعلم وقتها أن ذلك الزي لم يكن مجرد ملابس، بل كان إعلانًا عن انتمائه لمرحلة من العمر، لها قواعدها، وحدودها، وأحلامها الصغيرة.

واليوم، وبعد انتهاء آخر أيام امتحانات الثانوية العامة، يخلع هذا الزي للمرة الأخيرة… لا لأنه كبر في السن، بل لأنه كبر في الحياة.

هناك أشياء نخلعها فتنتهي، وأشياء نخلعها فتبدأ معها رحلة جديدة. والزي المدرسي من تلك الأشياء التي لا تُنسى، لأنه لم يكن مجرد قطعة قماش، بل كان شاهدًا على سنوات التكوين الأولى، وعلى طابور الصباح، وجرس الحصة الأولى، والكشاكيل التي امتلأت بالكتابة والشطب والمحاولات، وضحكات الأصدقاء، وقلق الامتحانات، وفرحة النجاح.

اليوم تُطوى صفحة اسمها “المدرسة”، وغدًا تُفتح صفحة عنوانها “المستقبل”.

في المدرسة كان الزي موحدًا، وكأن الرسالة تقول: أنتم جميعًا تسيرون في الطريق نفسه، وتتعلمون الدروس نفسها، وتعيشون التجربة نفسها.

أما الجامعة، فلا تفرض على طلابها زيًا موحدًا، لأن الحياة نفسها لا تمنح الناس مستقبلًا واحدًا. هناك يبدأ كل طالب في رسم طريقه بنفسه، ويصبح الاختلاف هو القاعدة، لا الاستثناء. لكل طالب حلمه، ولكل حلم طريقه، ولكل طريق مسؤولياته.

وإن كانت الجامعة لا تفرض على طلابها زيًا موحدًا، فإن الحياة تفرض على الجميع زيًا واحدًا لا يُرى بالعين، ولا يُفصل في مصانع الملابس، بل يُعرف بالأخلاق، والانضباط، وتحمل المسؤولية.

وهنا تبدأ الرحلة الحقيقية.

إنها ليست رحلة الانتقال من فصل دراسي إلى مدرج جامعي، وإنما رحلة الانتقال من مرحلة التوجيه إلى مرحلة الاختيار، ومن الاعتماد على الآخرين إلى الاعتماد على النفس.

قد يظن بعض الشباب أن الحرية التي تنتظرهم في الجامعة تعني غياب القيود، لكنها في الحقيقة تعني حضور المسؤولية. فكل قرار سيُتخذ ستكون له نتائجه، وكل ساعة تُهدر لن يعوضها أحد، وكل صديق يُختار قد يكون سببًا في النجاح أو سببًا في التعثر.

وفي الجامعة سيكتشف الطالب أن النجاح لا يُقاس فقط بدرجات الامتحانات، بل بقدرته على بناء شخصيته، واحترام الوقت، واكتساب المهارات، والتعامل مع الآخرين، والبحث عن المعرفة بإرادته، لا انتظارًا لتكليف أو امتحان.

ولا تجعلوا الجامعة مجرد محطة للحصول على شهادة تعلق على جدار، فالشهادة قد تفتح بابًا، لكن الشخصية هي التي تحفظ لك مكانك، والأخلاق هي التي تترك لك أثرًا، والاجتهاد هو الذي يصنع مستقبلك.

اقرأوا أكثر مما يُطلب منكم، وشاركوا في الأنشطة، وتطوعوا في خدمة مجتمعكم، وتعلموا لغة جديدة أو مهارة جديدة، فالعالم اليوم لا يبحث فقط عن أصحاب الشهادات، بل عن أصحاب الكفاءة، والفكر، والقدرة على التطور.

ولا تقيسوا أنفسكم بالآخرين، فلكل إنسان رحلته الخاصة. قد يتأخر أحدكم في الوصول، لكنه يصل أكثر نضجًا، وقد يسبق آخر الجميع ثم يتوقف لأنه ظن أن دخول الجامعة هو نهاية الطريق، بينما الحقيقة أنها مجرد البداية.

وستمر السنوات سريعًا، وستجدون أنفسكم ترتدون أزياءً مختلفة. سيصبح بينكم الطبيب ببالطوه الأبيض، والقاضي بردائه المهيب، والمهندس بخوذته، والضابط بزيه، والمعلم الذي يحمل رسالة العلم، والعامل الذي يبني وطنه بيديه، والمزارع الذي يزرع الخير في أرضه، ورائد الأعمال الذي يصنع فرصة عمل له ولغيره.

ستختلف الأزياء… لكن سيبقى هناك زي واحد يجمع الجميع، لا يُشترى من متجر، ولا يُفصل عند خياط، بل تنسجه الأخلاق، والإخلاص، والصدق، واحترام الإنسان لعمله ووطنه.

أما أنتم يا أولياء الأمور…

فاليوم لا يودع أبناؤكم المدرسة فقط، بل يودعون مرحلة كاملة من أعمارهم. فلا تجعلوا خوفكم عليهم يحرمهم من حق التجربة، ولا تجعلوا محبتكم لهم تتحول إلى قيود تمنعهم من اكتشاف أنفسهم.

كونوا قريبين منهم، استمعوا إليهم أكثر مما تُملون عليهم، وامنحوهم الثقة قبل النصيحة، وساندوهم إذا تعثرت خطواتهم، فهذه المرحلة لا تحتاج إلى رقابة بقدر ما تحتاج إلى احتواء.

وسيظل الزي المدرسي، بعد سنوات، معلقًا في خزانة أو محفوظًا داخل صندوق الذكريات، لكنه كلما وقع عليه البصر سيذكرنا بأنه لم يكن مجرد زي، بل كان عنوانًا لمرحلة صنعت أجمل الذكريات، وأرست أولى قواعد بناء الإنسان.

أما الزي الحقيقي الذي سيرتديه أبناؤنا من اليوم، فلن يُشترى من متجر، ولن يُخاط في مصنع، بل ستنسجه أخلاقهم، وعلمهم، واجتهادهم، واحترامهم لأنفسهم ولغيرهم، وإيمانهم بأن النجاح ليس لقبًا يسبق الاسم، ولا وظيفة نتباهى بها، وإنما قيمة يضيفها الإنسان إلى مجتمعه، وأثرًا طيبًا يتركه في حياة الناس.

إلى كل طالب أنهى اليوم آخر امتحانات الثانوية العامة…

لا تنظر إلى الجامعة باعتبارها نهاية مشوار طويل، بل اعتبرها أول خطوة في الطريق الذي اخترته لنفسك. سر فيه بعقلك، وتمسك بقيمك، واجعل أحلامك أكبر من مخاوفك، ولا تسمح لأحد أن يرسم لك مستقبلًا لا يشبهك.

فاليوم تخلع زيَّ المدرسة…

وغدًا ترتدي زيَّ المسؤولية…

وبين الزيَّين لا يتغير شكل الإنسان فقط، بل تتشكل شخصيته، وتُكتب ملامح مستقبله.

فاحرص أن يكون الزي الذي لا يراه الناس… أجمل من كل الأزياء التى سيرونها .