فارسُ الدراما وقيصرُ النقابة.. في ذكرى ميلاد الراحل يوسف شعبان مسيرة إبداعية خالدة وخدمة وطنية مخلصة لجيل الرواد

يوسف شعبان

يوسف شعبان

زين احمد

تحل اليوم الخميس 16 يوليو 2026 ذكرى ميلاد أحد أعمدة القوى الناعمة المصرية، الفنّان القدير والرمز الوطني الراحل يوسف شعبان (شحاتة شميس)، الذي ولد في مثل هذا اليوم من عام 1931 في حي شبرا العريق بالقاهرة، ورحل عن دنيانا في 28 فبراير 2021 متأثراً بإصابته بفيروس كورونا عن عمر ناهز 90 عاماً. ويأتي إحياء ذكراه كوقفة إجلال لجيل استثنائي أسس لريادة الفن المصري، وساهم بصوته وأدائه في تشكيل وعي الأمة وبناء هويتها الثقافية.

ونشأ الراحل في كنف أسرة مصرية أصيلة؛ حيث كان والده يعمل مصمماً للإعلانات، وتلقى تعليمه الأساسي في مدرسة الإسماعيلية والثانوي بمدرسة التوفيقية العريقة. ورغم التحاقه بكلية الحقوق بجامعة عين شمس نزولاً عند رغبة عائلته، إلا أن شغفه بالفن غلب دراسة القانون؛ فقرر مغادرة الكلية في عامه الدراسي الثالث ليلتحق بالمحراب الحقيقي لموهبته وهو المعهد العالي للفنون المسرحية، متخرجا فيه عام 1962 ليبدأ رحلة العطاء الذهبية.

وتتوزع تركة الراحل الفنية والإنسانية الغنية بين شاشات السينما والتلفزيون والعمل النقابي الخدمي على النحو التالي:

من دراسة القانون إلى محراب الفن والنجومية

انطلقت شرارة يوسف شعبان الإبداعية قبل تخرجه بقليل، وتحديداً عام 1961 حين شارك في الفيلم الوطني الخالد "في بيتنا رجل". وتوالت بعده نجاحاته السينمائية لتصل إلى 133 فيلماً؛ لعل أبرزها "معبودة الجماهير" الذي جمعه بالدوليين عبد الحليم حافظ وشادية في كواليس شهدت خلافاً عابراً في البداية سرعان ما تحول إلى صداقة وطيدة امتدت لسنوات، وفيلم "حمام الملاطيلي" الذي أثار ضجة فنية كبرى وأصبح مادة علمية تُدرس في أكاديمية الفنون نظراً لعمقه الواقعي.

وفي المسرح، قدم أعمالاً متميزة مثل "الطريق المسدود"، و"شيء في صدري"، و"أرض النفاق"، وصولاً إلى العرض الشهير "مطار الحب".

وجدان المصريين.. رائد الدراما التلفزيونية

أما في التلفزيون، فقد انطلقت مسيرته عام 1963، ليكون شاهداً ومشاركاً في العصر الذهبي للدراما المصرية بتقديم أكثر من 130 مسلسلاً حُفرت في وجدان المواطن العربي، مثل: "العائلة والناس"، و"الشهد والدموع"، والملحمة الوطنية المخابراتية "رأفت الهجان"، و"ليالي الحلمية" (الجزء الخامس)، و"السيرة الهلالية"، والمسلسل البدوي الشهير "وضحا وابن عجلان"، وغيرها من الروائع التي دعمت قيم الترابط الأسري والوعي المجتمعي.

العمل النقابي.. رعاية إنسانية وإنجازات تاريخية

لم تقتصر جهود يوسف شعبان على الجانب الإبداعي فحسب، بل امتدت لتشمل العمل الخدمي والإنساني؛ إذ انتُخب نقيباً للممثلين لدورتين متتاليتين في الفترة من 1997 إلى 2003. وخلال هذه الفترة، نجح في تحقيق طفرة إدارية غير مسبوقة تضمنت سداد ديون النقابة المتراكمة، وتأسيس نادٍ اجتماعي كبير يليق بجموع الفنانين، إلى جانب تفعيل مظلة علاجية وصحية متميزة لرعاية وتكريم الفنانين المحتاجين وأسرهم، مؤكداً على البُعد الإنساني والتكافلي لرسالة الفن، قبل أن يسلم الراية لزميله الفنان أشرف زكي عقب انتخابات عام 2003.

يبقى يوسف شعبان نموذجاً للفنان المثقف الملتزم بقضايا وطنه، وشاهداً على حقبة زمنية صاغت فيها مصر ريادتها الفنية الإقليمية، لتظل أعماله وسيرته العطرة مدرسة تلهم الأجيال المتعاقبة.