أسامة عز الدين يكتب ...ارحمونا يرحمكم الله

أسامة عز الدين

أسامة عز الدين

لم يمض وقت طويل منذ كنا نجلس أمام التلفزيون ننتظر برنامجنا المفضل أو مسلسلنا الذي نتابعه، وكانت الإعلانات مجرد فواصل قصيرة نتجاوزها على مضض. أما اليوم فقد انقلب المشهد؛ فالإعلانات أصبحت هي العرض الأساسي، بينما صار البرنامج نفسه مجرد فاصل بين إعلان وآخر.
والمشكلة هنا ليست في الإعلانات نفسها -فهي جزء أصيل من صناعة الإعلام- وإنما في التضليل والوهم والتضخم والملل الذي أصابها! فالمشاهد الذي جلس يبحث عن المتعة أو المعرفة، أو حتى تضييع الوقت، يجد نفسه محاصرا بسيل من الإعلانات المكررة، والوجوه نفسها التي تطل من كل اتجاه -لا أقصد هنا أحمد سعد على الإطلاق- ليكتشف في النهاية أنه دفع من وقته وأعصابه أكثر بكثير مما حصل عليه من متعة أو فائدة.
لاحظ معي تلك الإعلانات التي تُعاد بالصيغة نفسها عشرات المرات في وقت قصير وفي كل القنوات تقريبا، حتى لو ظننت أنك نجوت منها بالانتقال إلى قناة أخرى، فستجدها هناك في استقبالك، بل إنك تكاد تجزم أنه حتى لو أطفأت التليفزيون فسيظل الإعلان يلاحقك! مش بقولك بيطاردك. 
وهناك أيضا إعلانات قائمة على المفارقات؛ فإعلان يأخذك إلى "كومبوندات الساحل الشمالي"، وفيلاتها الفاخرة المحاطة بالحدائق الغناء والزرع والماء وسعرها ملاليم طبعا –عدة ملايين فقط- ثم لا تمر ثوان حتى يأتي إعلان آخر يطلب منك التبرع لإنقاذ مسجد آيل للسقوط، أو لترميم سقف متهالك قد يسبق المصلين إلى السجود!. ولا أعرف لماذا تصر هذه النوعية على أن يكون هناك ثعبان يهبط من سقف المسجد في هذه اللحظة، لدرجة أننا نظن -وبعض الظن إثم- أنها تنتظر موعد الإعلان!! أو أن شركات الإعلانات وقعت معها عقد احتكار، فلا يكتمل الإعلان إلا بنزول هذا الثعبان من السقف.
لكن ما يلفت انتباهي هي نوعية الإعلانات التي لا تراعي طبيعة الأسرة التي تجلس أمام الشاشة، فتقتحم البيوت بإعلانات محرجة -ذات أجنحة- أو طبية شديدة الخصوصية مثل تلك المرتبطة بالخصوبة والإنجاب وتفاصيلها، والتي تُقدم بلغة لا تناسب طبيعة المشاهدة الأسرية، ولا طبيعة مجتمعاتنا المحافظة، فتشير مثلا إلى ما أصاب بعض الأعضاء من تدهور بفعل عوامل التعرية!! -اي والله- على الرغم أن مثل هذه التفاصيل مكانها المراكز الطبية المتخصصة والمستشفيات. 
وهناك ظاهرة إعلانية أخرى تتمثل في قدرة بعض المنتجات على علاج جميع الأمراض وحل جميع المشكلات. ويكفي هنا أن نتابع الإعلانات الخاصة بمنتجات علاج آلام العظام، والمفاصل، والروماتيزم، والخشونة حتى نظن أن مهنة الطب قد دخلت في "إجازة مفتوحة"، وأن الأطباء الذين أمضوا سنوات طويلة في الدراسة ضيعوا وقتهم بلا طائل؛ فهناك "مرهم سحري"، و"تركيبة جهنمية"، قادرة على علاج كل شيء وأي شيء؛ آلام الرقبة، وأسفل الظهر –وأعلاه- وخشونة الركبة، والتهاب المفاصل، وآلام الأعصاب والعضلات وما بينها وما بعدها وما فوقها وتحتها.
لا يتوقف الأمر عند المبالغة، بل تبدأ مرحلة شهادة الشهود؛ فيطل علينا أحد المرضى ليؤكد أنه كان عاجزا عن الحركة، وآخر لم يكن يستطيع صعود درجات السلم، وثالث كاد يفقد الأمل تماما في الشفاء، ثم جاءت الوصفة السحرية؛ فغيرت حياته ورجع إنسان طبيعي -شفت ازاي
وإذا ساورك شك "فلا تقلق"، فسيتم الاستعانة بشاهد أو شاهدين إضافيين، ليقوما "بالقسم بالأيمانات المغلظة"، ووضع المصحف على عنيهم حتى تقتنع بأن ما عجزت عنه المستشفيات والعيادات والأدوية والجلسات العلاجية، أنجزته هذه التركيبة العجيبة في ثوان معدودة. 
وإذا أردت التأكد من صدق كلامي، خد عندك نموذج "الكركمين"، الذي تحول إلى "مفتاح سحري"، لعلاج كل أنواع الألم، فهو يعالج الالتهاب، ويخفف الألم، ويعيد الحركة، ويزوج العانس، ويرد المطلقة، ويرجع الشباب، ويصلح ما أفسده الدهر -وكمان عملوه له أغنية تغنيها الست فاطمة عيد- وليس العلاج بـ "سم النحل"، ببعيد عما نتحدث عنه، فهو مادة "شبه أسطورية"، قادرة على علاج المفاصل والعضلات والآلام المزمنة.. مش بقولكم منتج سحري. 
لا ننسى هنا إعلانات المنتجات التي تعالج الشعر وتقويه وتمنع تساقطه وتجعله أكثر لمعانا وكثافة بمجرد استخدام بعض الدهانات والكريمات. وطبعا لا يكتمل المشهد إلا بظهور تلك الفتاة الحسناء التي تهز شعرها يمينا ويسارا طوال مدة الإعلان، ما يجعلنا نتحسر على حال نسائنا وبناتنا!!. ثم تأتي وصفات الرشاقة السريعة التي تعد بإنقاص الوزن والوصول إلى القوام المثالي -مثل عمر الشريف بعد أن كنا مثل محمد رضا-  وطبعا ده كله بدون حمية أو حرمان من الطعام ولا حتى رياضة!!. 
ولا يحتاج الأمر إلى كثير تفكير حتى تلاحظ أن هناك فكرة تكرر نفسها في أغلب الإعلانات؛ وهي أن هناك "المنتج الأصلي"، وما عداه مجرد تقليد. وأن العبوة ذات اللون المعين -غالبا أحمر- هي الأساس، والأخرى بالطبع مقلدة ومزيفة.
لكن فكرة ارتباط الإعلان بالخرافة هو ما يزعجني حقا؛ فهناك "السيدة" أو "الشيخ" -وغالبا مغربي مش عارف ليه- تُنسب إليها قدرات عجيبة، فهو قادر على "فك المربوط"، و"ربط السايب"، و"حل مشاكل الزواج والطلاق"، و"جلب الحبيب"، و"فك السحر"، وغيره وغيره. وطبعا كل ذلك بكلمة أو جلسة أو اتصال تليفوني. وهذا النوع من الإعلانات يؤثر بالفعل في وعي البسطاء من الناس؛ لأنه يُقدم لهم الوهم في صورة علاج لمشاكلهم بعيدا عن أي منطق علمي أو طبي أو عقلاني أو ديني.
وسط هذا كله لا يملك المشاهد إلا أن يتساءل: إذا كانت الأمور بهذه البساطة فعلا، فلماذا ما زالت كليات الطب مفتوحة؟.. ولماذا لا تُغلق عيادات العظام والأعصاب أبوابها، وتباع أجهزتها خردة للراجل الذي يجول ليل نهار في الشوارع وفالق راسنا!!. فبحسب ما تقوله تلك الإعلانات، فإن الحل لكل ما يؤلم الإنسان هو "التدليك" بهذه المنتجات لينتهي كل شيء ويصبح المرض في خبر كان. 
يا سادة.. لا أحد يختلف على أهمية الإعلانات، فهي مصدر رئيسي لتمويل وسائل الإعلام وضمان استمرارها. لكن ما نطالب به هو وضع خط فاصل بين "التسويق والمبالغة"، وبين "الترويج والتضليل"، و"بين جذب المستهلك واستغلال حاجته". فمن غير المقبول أن تتحول شاشاتنا إلى منصات لبيع "الوهم والخرافة"، والمتاجرة بآلام المرضى ولهفة الباحثين عن الشفاء. وفي رأيي فإن الإعلان الناجح ليس هو الأعلى صوتا، ولا الأكثر تكرارا، بل الأكثر صدقا واحتراما لعقل المشاهد. 
وهنا، تبقى مسؤولية الجهات الرقابية والمؤسسات المعنية؛ من صحة أو تموين وحماية مستهلك، وحتى الدينية التي يجب ألا تغض الطرف عن انتشار الخرافات الدينية، وكذلك النقابات الطبية؛ في وضع معايير واضحة للإعلانات التي تتعلق بالصحة والعلاج غير المستندة إلى دليل علمي أو حاصلة على تصاريح بتداولها.. فصحة الناس ليست سلعة يُتاجر بها، ومن حق هذا المواطن أن يطمئن إلى أن ما يُقدم له يخضع لمعايير وضوابط، لا لمعادلة مفادها: (ادفع أكثر.. تظهر على الشاشة أكثر).