عندما يُذكر اسم ميسي، يتبادر إلى الذهن ذلك اللاعب الاستثنائي الذي أمتع الملايين، وحقق البطولات، وكتب اسمه بأحرف من ذهب في تاريخ كرة القدم. ولذلك، فإن وصفه بأنه «مدلل» لا يحمل بالضرورة معنى سلبيًا، فهناك فرق كبير بين دلال يستند إلى الموهبة والإنجاز، ودلال لا يستند إلا إلى القرب والعلاقات.
ميسي الملاعب يستحق مكانته؛ لأنه صنعها بموهبته وجهده وإنجازاته. أما «ميسي» المؤسسات، فهو حكاية أخرى تستحق التأمل. ففي كل مؤسسة أو هيئة تقريبًا، قد نجد شخصًا يحظى بمعاملة خاصة، ويحصل على قدر من التسامح والاستثناءات لا يحصل عليه الآخرون. قد يخطئ فيجد من يلتمس له العذر، ويتأخر فلا يُحاسب، ويتعثر فيجد من يدافع عنه، بينما يُطلب من الآخرين الالتزام الكامل بالقواعد واللوائح.
ليس بالضرورة أن يكون هذا الشخص هو الأفضل أو الأكثر كفاءة أو الأكثر اجتهادًا، لكنه قد يمتلك ما يجعله قريبًا من دوائر القرار، أو يجيد بناء العلاقات، أو اعتاد أن يحصل على ما لا يحصل عليه الآخرون. وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: الخلط بين التقدير المستحق والدلال غير المستحق.
فالمؤسسة الناجحة لا ترفض الاستثناء عندما يكون له ما يبرره، ولا تساوي بالضرورة بين من يجتهد ومن يقصر. لكن العدالة تقتضي أن تكون المعايير واضحة، وأن يكون التقدير مرتبطًا بالكفاءة والإنجاز، لا بالقرب من صاحب القرار أو القدرة على الوصول إليه.
وحين يشعر الموظف المجتهد بأن جهده لا يساوي شيئًا أمام العلاقات، وأن زميلًا آخر يحصل على امتيازات لا يستحقها، فإن الضرر لا يقع عليه وحده، بل يمتد إلى المؤسسة بأكملها. ومع الوقت، قد يفقد المخلص حماسه، ويشعر المجتهد بأن التميز لا جدوى منه، بينما يزداد «المدلل» ثقة بأن القواعد لا تُطبق عليه كما تُطبق على غيره.
وهنا يكمن الفارق بين ميسي الملاعب و«ميسي» المؤسسات. الأول حصل على دلاله لأنه كان استثنائيًا، أما الثاني ففي بعض الأحيان قد يصبح استثنائيًا فقط لأنه حصل على الدلال. الأول صنع مكانته بإنجازاته، أما الثاني فقد يصنع إنجازاته في نظر الآخرين من خلال مكانته.
ولا يعني ذلك أن كل تقدير أو معاملة مرنة نوع من المحاباة، فلكل مؤسسة ظروفها، ولكل إنسان مواقف قد تستدعي التفهم. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الاستثناءات إلى نظام، والتقدير إلى تمييز، والعلاقة إلى بديل عن الكفاءة.
فالمؤسسات لا تنهض فقط بأصحاب المناصب، وإنما بالمجتهدين الذين يعملون في صمت، وبالمخلصين الذين يلتزمون دون انتظار معاملة خاصة. ومن حق المتميز أن يُكافأ، ومن حق المجتهد أن يُقدَّر، ومن حق صاحب الإنجاز أن يحظى بالاهتمام، لكن التقدير الحقيقي يجب أن يكون انعكاسًا لما يقدمه الإنسان، لا سببًا في منحه قيمة لم يصنعها بنفسه.
وفي النهاية، يظل السؤال الأهم: هل نحن أمام شخص يستحق الدلال فعلًا، أم أمام شخص أصبح مدللًا، فظن الجميع أنه يستحق؟
ميسي الملاعب استحق أن يكون نجمًا لأنه أثبت نفسه في الملعب. أما «ميسي» المؤسسات، فلا ينبغي أن تكون مكانته نتيجة للدلال، بل يجب أن يكون الدلال نتيجة لما يقدمه.
فالفارق كبير بين أن تكون مدللًا لأنك الأفضل، وأن تصبح الأفضل في نظر الآخرين لأنك مدلل.
وهنا فقط يمكن أن نعرف: من هو «ميسي» الحقيقي.. ومن هو مجرد «ميسي» المؤسسات؟